مسؤول في إنفيديا لـ”النهار”: “الفصل التالي” في رهان الخليج على الذكاء الاصطناعي هو إنشاء الشركات
تتصدّر الإمارات قائمة الدول الأكثر طموحاً في بناء بنية تحتية للذكاء الاصطناعي على مستوى العالم، لكن شركة إنفيديا (NVIDIA) تقول إن معيار الحكم على نجاح هذا التوسّع لن يكون حجم القدرة الحاسوبية المُركّبة لوحده، بل ما يُبنى فوقها.
وقال مارك دومينيك، نائب رئيس إنفيديا للمؤسسات في منطقة “ميتا” (META) وجنوب أوروبا، في مقابلة خاصة مع “النهار”: “لن يُقاس النجاح بحجم القدرة الحاسوبية المنشورة”، مضيفاً أن النجاح سيُقاس بالقيمة التي تُخلق فوق هذه البنية التحتية: الشركات الجديدة التي تُطلق، والصناعات التي تتحوّل، والإنجازات العلمية التي تُحقق، والفرص التي تُخلق للأجيال المقبلة.
وحول الاستراتيجية الخليجية الأوسع، وصف البنية التحتية بأنها “نقطة الانطلاق” لمسارٍ أطول: “الفصل التالي يتعلق بتحويل هذا الاستثمار إلى خبرة محلية، وملكية فكرية، وشركات قادرة على التنافس عالمياً، ونمو اقتصادي حقيقي”. وعند سؤاله عن مقياس النجاح بعد خمس سنوات، أشار إلى “شركات تنافسية عالمياً، وأبحاث نوعية، ونماذج ذكاء اصطناعي مطوَّرة للصناعات واللغات المحلية، وإنتاجية أعلى في الاقتصاد، وفرص جديدة لرواد الأعمال والمطوّرين”، مضيفاً أن أوضح دليل على النجاح سيكون عندما تبدأ دول الخليج “بتصدير ابتكارات الذكاء الاصطناعي إلى العالم”.
يعيد هذا التصريح توجيه نقاش طغت عليه حتى الآن الأرقام المتعلقة بحجم القدرة الحاسوبية التي تسعى الإمارات ودول الخليج لتأمينها ومساحة مراكز البيانات التي تبنيها. فبحسب دومينيك، المعيار الأهم هو المخرجات الاقتصادية: شركات جديدة، وملكية فكرية، وفرص عمل، إلى جانب حجم البنية التحتية نفسها.
وتُعد الإمارات من أبرز دول المنطقة استثماراً في سياسات الذكاء الاصطناعي وبنيته. ويشار إلى أن مجلس الوزراء الإماراتي تبنّى عام 2019 “استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031″، بعد أن عيّنت الدولة عمر سلطان العلماء وزيراً للدولة للذكاء الاصطناعي في تشرين الأول/أكتوبر 2017، بحسب الموقع الرسمي لمجلس الوزراء الإماراتي. وتشير تقديرات مكتب الإمارات للذكاء الاصطناعي إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يساهم بما يصل إلى 20% من الناتج المحلي غير النفطي بحلول 2031.
وبحسب الوثيقة الرسمية للاستراتيجية، فإن التطبيق الكامل للأتمتة عبر مختلف القطاعات قد يضيف نحو 335 مليار درهم (نحو 91 مليار دولار وفق سعر الصرف الثابت، 3.6725 دراهم للدولار) كناتج اقتصادي إضافي للاقتصاد الإماراتي، أي زيادة تُقدّر بنحو 26%. وباستخدام منهجية مختلفة، قدّرت شركة “برايس ووترهاوس كوبرز” (PwC) أن يساهم الذكاء الاصطناعي بنحو 353 مليار درهم (96 مليار دولار) في الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2030، بما يعادل 13.6% من الناتج.
كما أسست أبوظبي في آذار/مارس 2024 شركة استثمارية تحمل اسم “إم جي إكس” (MGX)، بقرار من مجلس الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة الذي يرأسه الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، وبشراكة تأسيسية مع “مبادلة” (Mubadala) وجي 42. وأعلنت “وام” في كانون الأول/ديسمبر 2025 انضمام “إم جي إكس” إلى تحالف استثماري مع “بلاك روك” (BlackRock) و”غلوبال إنفراستركتشر بارتنرز
(Global Infrastructure Partners)
ومايكروسوفت” (Microsoft) وإنفيديا و”إكس إيه آي” (xAI)، يستهدف استثمارات محتملة تصل إلى 100 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والطاقة.

مشاريع إنفيديا في الإمارات
ومن أبرز المشاريع المرتبطة بهذا التوجه “ستارغيت الإمارات“، الذي أعلنته شركة “جي 42” (G42) في 22 أيار/مايو 2025، بحضور رئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، بالشراكة مع “أوبن إيه آي ” (OpenAI) و”أوراكل” (Oracle) وإنفيديا و”سيسكو “(Cisco) و”سوفت بنك“(SoftBank) . ويقع المشروع ضمن حرم إماراتي-أميركي أُعلن أن قدرته الإجمالية ستبلغ خمسة غيغاواط في أبوظبي. أما “ستارغيت الإمارات” نفسه فهو عنقود حوسبة بقدرة غيغاواط واحد تبنيه “جي 42” وتديره “أوبن إيه آي” و”أوراكل”، وفق الإعلان الرسمي. ونقلت “رويترز” أن المرحلة الأولى قد تضم نحو 100 ألف رقاقة من إنفيديا.
وعلى مستوى النشر الفعلي، أعلنت “أليريا “(Aleria) في 19 آذار/مارس 2026 توسيع بنيتها للذكاء الاصطناعي السيادي بالتعاون مع إنفيديا. وقالت الشركة إنها تخطط لنشر 28 خزانة من أنظمة “دي جي إكس فيرا روبن إن في
إل 72“(DGX Vera Rubin NVL72)
في الإمارات، في أولى عمليات النشر الإقليمية لهذا النوع من الأنظمة، فيما خصّصت توسعتها في الولايات المتحدة 8,640 وحدة معالجة رسومية من “بلاكويل ألترا “(Blackwell Ultra) مع خطة لرفعها إلى 16 ألفاً.
أين يكمن الطلب على الذكاء الاصطناعي؟
حول مصادر الطلب المتوقعة في الإمارات، حدّد دومينيك القطاعات التي تجمع بين حجم كبير من البيانات وأثر اقتصادي مرتفع: الطاقة، والرعاية الصحية، والخدمات المالية، والصناعة، والاتصالات، والقطاع الحكومي. وأشار أيضاً إلى فئة أحدث أسماها “الذكاء الاصطناعي المادي” (physical AI)، حيث تستخدم الروبوتات والأنظمة الصناعية المستقلة الذكاء الاصطناعي للتفاعل مع العالم الفعلي.
كما لفت إلى تزايد استخدام “نماذج الاستدلال والذكاء الاصطناعي الوكيلي” (agentic AI)، التي تتطلب حوسبة أكبر لكل مهمة مقارنة بأجيال البرمجيات السابقة، وهو أحد أسباب استمرار نمو الطلب على البنية التحتية.
وشدّد على أن البنية التحتية وتطوير الكفاءات البشرية يجب أن يسيرا معاً: “يجب أن تتطور البنية التحتية ورأس المال البشري معاً. أقوى منظومات الذكاء الاصطناعي ستكون تلك التي تطوّر البنية التحتية والكفاءات البشرية في الوقت نفسه، بما يخلق حلقة إيجابية تجذب فيها البنية التحتية المطوّرين والشركات الناشئة، وتنتج هذه الشركات تطبيقات وخدمات جديدة، وهذا الابتكار يولّد بدوره طلباً إضافياً على الحوسبة”.
واستشهد بشركتين ناشئتين تدعمهما “إنسيبشن” (Inception)، برنامج إنفيديا لدعم الشركات الناشئة، وتعملان في المنطقة: “أيديرا” (Aidera)، التي تبني منصات ذكاء اصطناعي للمؤسسات لإدارة المعرفة التنظيمية، و”أيفي” (Avey)، التي تطبّق الذكاء الاصطناعي على القرارات الإكلينيكية والتوثيق الطبي.
أما بشأن اللغة، فقال إن تطوير الذكاء الاصطناعي بالعربية لا يقتصر على الترجمة: “الفرصة الحقيقية ليست ترجمة الذكاء الاصطناعي إلى العربية فحسب، بل تمكين ذكاء اصطناعي مطوَّر في المنطقة من حل التحديات الأهم بالنسبة لسكانها وصناعاتها واقتصاداتها”، مشيراً إلى إطار عمل “نيمو” (NeMo) من إنفيديا كأداة يستخدمها مطوّرون في المنطقة لتخصيص نماذج اللغة.
السعودية ودول الخليج
وتعمل السعودية على تطوير منظومة كاملة للذكاء الاصطناعي، بحيث أطلق ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في 12 أيار/مايو 2025 شركة “هيوماين” (HUMAIN)، المملوكة من صندوق الاستثمارات العامة الذي يتولى رئاسته، لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي وإدارتها في المملكة، بحسب “رويترز” وبيان الصندوق الرسمي.
وأعلنت إنفيديا في 13 أيار/مايو 2025 اتفاقاً مع “هيوماين” لبيع مئات الآلاف من رقائقها مدى السنوات المقبلة، على أن تذهب الشريحة الأولى، المكونة من 18 ألف رقاقة من طراز “بلاكويل” (Blackwell)، إلى الشركة السعودية، في إطار بناء “مصانع ذكاء اصطناعي” بقدرة تصل إلى 500 ميغاواط. كما أعلنت “إيه إم دي” (AMD) تعاوناً مع “هيوماين” بقيمة 10 مليارات دولار، خلال زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسعودية التي شهدت تعهدات سعودية باستثمار 600 مليار دولار في الولايات المتحدة.
ولا تقتصر المنافسة على الإمارات والسعودية. ففي 9 كانون الأول/ديسمبر 2025، أعلنت شركة “بروكفيلد” (Brookfield) وشركة “كيو إيه آي“(Qai)، التابعة لجهاز قطر للاستثمار، تأسيس مشروع مشترك بقيمة 20 مليار دولار لتطوير بنية تحتية للذكاء الاصطناعي في قطر وأسواق دولية مختارة.
وبشكل منفصل، قدّرت “ماكنزي “(McKinsey)، في تقرير صدر عام 2023، أن يضيف تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي ما يصل إلى 150 مليار دولار إلى اقتصادات الخليج. وبحسب تقرير “آي دي سي“(IDC)، من المتوقع أن يرتفع إجمالي الإنفاق على الذكاء الاصطناعي في منطقة الشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا من 4.5 مليارات دولار في 2024 إلى 14.6 مليار دولار بحلول 2028، بمعدل نمو سنوي مركب 34%
