عبر إخراج شركات روسيا والصين.. مناورة أمريكية “عدائية” للسيطرة على نفط العراق
تسيطر الولايات المتحدة فعلياً على عائدات النفط العراقي من الدولار منذ احتلالها للبلاد عام 2003، ووفق تقرير نشرته وكالة رويترز، فإن ذلك منح واشنطن نفوذاً استثنائياً للتدخل في شؤون بغداد، مع تأثيرات تمتد إلى التوازنات الإقليمية المتعلقة بإيران.
وتأتي سيطرة واشنطن على عائدات النفط العراقي بشكل أساسي عبر إدارتها لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، إذ دشنت سلطة الائتلاف المؤقتة بقيادة الولايات المتحدة، بعد غزو العراق، صندوق العراق للتنمية وجعلت مقره في مجلس الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.
اظهار أخبار متعلقة
ووقع آنذاك الرئيس جورج بوش الابن أمراً تنفيذياً، جدده جميع الرؤساء الأمريكيين اللاحقين لترسيخ هذا النظام، إلا أن صندوق العراق للتنمية انتهى به الأمر ليكون حساباً تابعاً للبنك المركزي العراقي في مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وهو الوضع القائم حتى اليوم.
ترامب يجدد أمراً يرسخ السيطرة على عائدات النفط العراقي
ومطلع تموز/يوليو الماضي، مدّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حالة الطوارئ الوطنية الخاصة بالعراق لمدة عام إضافي، وهو إجراء يتيح وضع جميع عائدات النفط تحت سيطرته في حساب لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.

ووفق “الأمر التنفيذي” للرئيس ترامب المرسل إلى الكونغرس بتاريخ 4 أيار/ مايو 2026، جاء التمديد نتيجة الأوضاع المرتبطة باستقرار العراق التي لا تزال تمثل “تهديداً غير عادي واستثنائياً” للأمن القومي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة.
مناورة لم تتوقعها موسكو وبكين
كشفت شبكة “أويل برايس” الدولية المعنية بالشؤون النفطية الأربعاء، عن وجود تحرك أمريكي وصفته بـ “العدائي” تجاه إخراج الشركات الصينية والروسية من قطاع النفط العراقي والاستحواذ عليه من خلال شركاتها.
وفي تقرير أعده الخبير سايمون واتكينز، قالت الشبكة، إن الولايات المتحدة بدأت ترى في العراق نقاطاً حيوية تمنحها الأفضلية في قطاع النفط والسيطرة السياسية على المنطقة.
وأوضح التقرير، أنه بينما لا تزال روسيا منشغلة بحربها في أوكرانيا، وتركز إيران على الدفاع عن أراضيها ضد الهجمات الأمريكية والإسرائيلية، وتحافظ الصين على انخراطها في كلا الصراعين تحت طائلة خطر اندلاع صراع مباشر مع أمريكا، تستغل واشنطن موقعها في العراق.
وقد اكتسبت هذه الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من الإلحاح بعد أن أعلن رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي الأسبوع الماضي أن بلاده تخطط لرفع إنتاج النفط إلى ما بين 8 و10 ملايين برميل يومياً خلال ست سنوات.
ووفقاً لذلك، تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى أن يكونوا في أفضل وضع للاستفادة من خطط بغداد، وتأمين دور أكبر في واحدة من أرخص وأكبر قواعد موارد النفط المتبقية في العالم.
مزايا العراق تثير طمع الشركات العالمية
على الرغم من الضرر الذي لحق بقطاع النفط العراقي مؤخراً جراء الصراع الدائر في الشرق الأوسط، فإن العراق يمتلك أربع مزايا رئيسية تسعى القوى العالمية الثلاث جاهدةً لاستغلالها لصالحها.
أولاً، لا يزال العراق من أكبر ثروات النفط في العالم، إذ تُشير تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى وجود احتياطيات مؤكدة من النفط الخام تُقدر بنحو 145 مليار برميل، أي ما يُعادل 18 بالمئة تقريباً من إجمالي احتياطيات الشرق الأوسط، وخامس أكبر احتياطي على مستوى العالم.
كما أنه من المرجح جداً أن يمتلك العراق كميات نفطية أكبر بكثير، كما أن تكلفة استخراجه التي تتراوح بين 2 و4 دولارات أمريكية للبرميل تُعدّ من أدنى التكاليف في العالم، إلى جانب إيران والمملكة العربية السعودية.
ثانياً، يحتل العراق موقعاً جغرافياً استراتيجياً في قلب المنطقة، إذ يقع غرب إيران، وشمال المملكة العربية السعودية والكويت، وشرق الأردن وسوريا، وجنوب تركيا، وهو ما يُتيح له الوصول إلى القارة الأوروبية.
ثالثاً، لا يزال العراق عضواً رئيسياً في “الهلال الشيعي” الجيوسياسي الممتد من إيران عبر العراق وسوريا ولبنان، حيث تمارس الجماعات المدعومة من إيران نفوذاً كبيراً على السياسة والاقتصاد والأمن الإقليميين.
رابعاً، لطالما كان العراق القناة الرئيسية التي مكّنت إيران من تهريب نفطها الخاضع للعقوبات إلى العالم تحت غطاء النفط العراقي غير الخاضع للعقوبات، مما ضمن لها البقاء الاقتصادي رغم العقوبات الدولية القاسية.
استغلال انشغال موسكو بحرب أوكرانيا
وتابع “الولايات المتحدة بدأت خلال الأسابيع الماضية التحرك بشكل سريع وعدائي لإخراج الشركات الروسية بالكامل من شمال العراق وطرد الصينية من جنوبه، مستغلةً بذلك انشغال موسكو بالحرب في أوكرانيا وقلق بكين من استفزاز الولايات المتحدة اقتصادياً في العراق”.
وشددت الشبكة على أن الولايات المتحدة “أدركت مؤخراً أنها ارتكبت خطأً بالخروج من قطاع النفط العراقي بعد انسحابها عام 2018، وقررت وبشكل سريع إعادة تموضعها كالمسيطرة على قطاع النفط في العراق من خلال شركتي شيفرون وكونوكو فيليبس”، بحسب وصفها.
فعقب انسحاب الولايات المتحدة الأحادي من خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي) عام 2018، سارعت الصين وروسيا إلى استغلال ما اعتبرتاه ضعفاً أمريكياً في منطقة الشرق الأوسط.
ففي العراق، سيطرت روسيا فعلياً على إقليم كردستان شمال البلاد من خلال ثلاث مبادرات، وقامت الصين بعمل مماثل في جنوب البلاد عبر اتفاقيتي تعاون واسعتي النطاق عامي 2019 و2020، الأولى هي “النفط مقابل إعادة الإعمار والاستثمار”، والثانية هي “الاتفاقية الإطارية العراقية الصينية”.
نتيجةً لهذه الاستراتيجيات، في بداية ولاية دونالد ترامب الرئاسية الثانية عام 2025، سيطرت روسيا على جزء كبير من قطاع النفط في شمال العراق، بينما كانت الشركات الصينية تدير نحو 34 بالمئة من احتياطيات العراق المؤكدة وثلثي إنتاجه بكامل طاقته.
النفوذ الصيني الناعم
كما انشغلت الصين بربط أجزاء قطاع النفط في جنوب العراق، الذي أنشأته بهدوء عبر عشرات الصفقات غير المعلنة والتي أبرمتها شركات غير معروفة نسبياً موجهة من بكين، مما هدد باستبعاد الولايات المتحدة من القرارات الرئيسية المستقبلية في مجال الاستكشاف والإنتاج.
وفي بداية ولايتها الثانية، سعى فريق ترامب إلى تحييد العديد من أدوات النفوذ الروسية والصينية على العراق، بدءاً بالعقوبات التي أجبرت الشركات الروسية فعلياً على الخروج من كردستان العراق.
ووجهت الولايات المتحدة أيضاً تحذيرات بشأن العقوبات الموجهة إلى بكين على خلفية إيران والعراق، في حين أبرمت شركات غربية في الوقت نفسه صفقات رئيسية في حقول النفط والبنية التحتية في شمال وجنوب العراق.
وفي السياق نفسه، سعت شركتا كونوكو فيليبس وشيفرون، وهما عملاقان أمريكيان في مجال النفط والغاز، إلى تعزيز هذا الوضع خلال الأسابيع الأخيرة.
فقد وافقت الأولى على الاستحواذ على حصة 42 بالمئة في شركة بي بي للطاقة في كركوك المحدودة من شركة بي بي البريطانية العملاقة للنفط والغاز، ما يدعم إعادة تطوير خمسة حقول نفط منتجة في منطقة كركوك شمال العراق.
وجاء ذلك عقب تفعيل شركة بريتيش بتروليوم (BP) في الثاني من تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي لصفقة النفط والغاز الضخمة ذات الخمسة محاور، والتي تبلغ قيمتها 25 مليار دولار أمريكي، وتستهدف إنتاجاً أولياً قدره 328 ألف برميل يومياً.
ومن المتوقع أن يرتفع هذا الإنتاج إلى 450 ألف برميل يومياً على الأقل خلال العامين أو الثلاثة أعوام القادمة، ثم يُعاد تقييمه بهدف زيادة الإنتاج واستقراره.
مشروع لمدة 25 عاماً
وستكون تكلفة استخراج العديد من هذه البراميل مساوية أو قريبة من متوسط تكلفة استخراج النفط في العراق، والتي تتراوح بين 2 و4 دولارات أمريكية للبرميل، ومن المقرر أن يستمر المشروع لمدة 25 عاماً، مع إمكانية تجديد العقد بعد ذلك.
وعلى الرغم من أن التقديرات الحالية تشير إلى احتواء الحقول الخمسة على ما يصل إلى 9 مليارات برميل من احتياطيات النفط، إلا أن هذه التقديرات متحفظة للغاية، وفقاً للمصدر العراقي، وأكد المصدر مؤخراً: “هناك ما لا يقل عن 11 أو 12 مليار برميل أخرى في المنطقة المحيطة، وربما أكثر من ذلك بكثير”.
ولهذه الصفقة تداعيات جيوسياسية أوسع بكثير. فقد سعت بكين وموسكو منذ زمن طويل إلى ضم كردستان إلى عراق موحد، يُحكم من بغداد، مع إقصاء الغرب تماماً من البلاد.
وكما كشف مسؤول رفيع المستوى في الكرملين حصرياً لموقع “OilPrice” قبل بضع سنوات: “بإبعاد الغرب عن صفقات الطاقة في العراق، ستشهد روسيا والصين نهاية الهيمنة الغربية في الشرق الأوسط، والتي ستكون الفصل الحاسم في زوال الغرب النهائي”.
في غضون ذلك، تمضي شركة شيفرون قدماً في تطوير اثنين من أكبر حقول النفط في جنوب العراق، فبعد فرض عقوبات كبيرة من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا، انسحبت شركة لوك أويل الروسية من حقل غرب القرنة 2 العملاق، مما مهد الطريق أمام الشركة الأمريكية.
وكان الحقل، الواقع على بعد 65 كيلومتراً شمال غرب ميناء البصرة الجنوبي، والذي يحتوي على احتياطيات تُقدر بنحو 14 مليار برميل، يُنتج باستمرار حوالي 400 ألف برميل يومياً – أي ما يُعادل 9 بالمئة من إجمالي إنتاج النفط العراقي آنذاك – تحت إدارة شركة لوك أويل، التي كانت تمتلك 75 بالمئة من أسهم الحقل (بينما كانت النسبة المتبقية مملوكة لشركة نفط البصرة الحكومية).
وكانت خطة التطوير تقضي بزيادة إنتاج النفط الخام إلى 480 ألف برميل يومياً في المرحلة الثانية، ثم إضافة 650 ألف برميل يومياً أخرى في المرحلة الثالثة، والتي ستركز على تكوين اليمامة الأعمق.
هدف بغداد نحو تصدير 8 ملايين برميل
وقد يبدو الهدف النهائي البالغ 1.13 مليون برميل يومياً مرتفعاً للبعض (مع أن الهدف الأصلي كان 1.2 مليون برميل يومياً)، ولكنه مُبرر تماماً من قِبل الجيولوجيين الأمريكيين الذين كانوا متواجدين في العراق خلال فترة الاحتلال الأمريكي، ومن قِبل العديد من شركات النفط العالمية.
إضافةً إلى ذلك، تُعدّ أوجه التآزر التي ستُتاح لشركة شيفرون الأمريكية من شركات النفط الغربية الكبرى الأخرى العاملة حالياً في جميع أنحاء البلاد، مفيدةً لآفاقها هنا، ولهدف العراق المتمثل في تحقيق إنتاج نفطي يزيد عن 6 ملايين برميل يومياً بحلول عام 2029.
ومن أهم هذه المشاريع مشروع الإمداد المشترك بمياه البحر (CSSP)، الذي يتضمن نقل مياه البحر من الخليج العربي إلى منشآت إنتاج النفط لزيادة الضغط في مكامن النفط الرئيسية، أما حقل الناصرية فهو ثاني حقل نفطي تُطوّره شيفرون، والذي وقّعت بشأنه أيضاً ملحقاً لاتفاقية مبدئية قبل أيام.
ويقع حقل الناصرية النفطي، الذي تبلغ احتياطياته 4.36 مليار برميل، في محافظة ذي قار جنوب العراق، وقد طرحت الحكومات العراقية المتعاقبة فكرة تطويره بجدية منذ اكتشافه من قبل شركة النفط الوطنية العراقية عام 1975.
وتنوعت هذه الخطط بين تطوير الحقل بشكل مستقل، وتطويره ضمن مشروع الناصرية المتكامل، الذي يشمل أيضاً إنشاء مصفاة نفط بطاقة 300 ألف برميل يومياً.
ورغم تعثر جميع الخطط الرئيسية لأسباب مختلفة، إلا أن توقيع الاتفاقية مع شركة شيفرون الأسبوع الماضي يُشير إلى إمكانية بدء تطوير مستدام وكبير لهذا الحقل النفطي العراقي القيّم، مدعوماً بالتطوير الموازي لمشروع CSSP.
الزيدي يوقع 48 اتفاقية دفعة واحدة في واشنطن
ومنتصف تموز/يوليو الماضي، وقع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال زيارته إلى واشنطن حزمة واسعة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم مع شركات أمريكية كبرى، شملت قطاعات النفط والطاقة والتكنولوجيا والصناعة والمال.
اظهار أخبار متعلقة
وأعلن المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي حينها أن العراق أبرم 48 اتفاقاً ومذكرة تفاهم وتعاون اقتصادي مع عدد من الشركات الأمريكية، موضحاً أن هذه الاتفاقيات تغطي مجالات متعددة، في مقدمتها قطاعا النفط والكهرباء.
رعى رئيس مجلس الوزراء السيد علي فالح الزيدي، مساء أمسِ الجمعة بتوقيت بغداد، توقيع (48) اتفاقاً ومذكرة تفاهم وتعاون وإعلان شراكة، بين مختلف القطاعات العامة والخاصة في العراق والولايات المتحدة الأمريكية، بما يؤسس لمسار واضح من التعاون الاقتصادي والمالي بين البلدين، وينتقل بالعلاقة… pic.twitter.com/ePJ5YP1gsK— المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء 🇮🇶 (@IraqiPMO) July 18, 2026
وشملت الاتفاقيات تعاوناً وشراكات بين وزارتي النفط والكهرباء العراقيتين والشركات التابعة لهما، إضافة إلى عدد من القطاعات الحكومية، مع شركات أمريكية كبرى من بينها إكسون موبيل، وكي بي آر، وجي إي فيرنوفا، وشل، وهاليبرتون.
