تأخير استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لحماية الشبيبة – التجربة الأسترالية
توم ويلسون، سفير أستراليا لدى لبنان
لقد أعادت وسائل التواصل الاجتماعي تشكيل حياتنا المعاصرة في العمق. ويمكن القول انها كانت ايجابية من عدة نواحٍ، إذ بات بامكاننا أن نتواصل مع الأصدقاء والأقارب، ونستكشف اهتماماتنا ونتعرّف أكثر إلى العالم المحيط بنا. وبما أنّ وسائل التواصل الاجتماعي ترافقنا منذ أكثر من عقدين، يصعب علينا أن نتخيّل العالم من دونها.
إلّا أنّ هذه التكنولوجيا التحوّلية لم تأتِ بدون ثمن، فكلّما ازدادت وسائل التواصل الاجتماعي تجذّراً في مجتمعاتنا، ارتفعت بالموازاة معدلات الشعور بالوحدة والعزلة الاجتماعية. وفي مختلف أنحاء العالم، بتنا نلاحظ بشكل متزايد أن التفاعل الافتراضي يحلّ محل التواصل الوجاهي، على الرغم من أنّ العديد من الدراسات أظهرت أنّ العلاقات الإنسانية الواقعية تبقى جوهرية لرفاهنا.

وغالباً ما تكون هذه الأضرار أكثر حدةّ في صفوف الشباب. إذ تربط الأبحاث على الدوام بين الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي وارتفاع مخاطر القلق والاكتئاب وتدنّي تقدير الذات. فضلاً عن ذلك، يمكن أن تضخّم المنصات الالكترونية الديناميكيات الاجتماعية السلبية، فتتحوّل الى ساحات للتنمر وضغوط الأقران، والأخطر من ذلك، الاستغلال.
في هذا السياق تحديداً، اتخذت الحكومة الأسترالية قراراً بحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن السادسة عشرة، وقد دخلت هذه السياسة حيّز التنفيذ في شهر كانون الأول المنصرم.
ومن المشجّع أن نقاشات مماثلة بدأت تبرز الآن في لبنان. وهنا أحيّي الجهود التي يقودها بعض المشرّعين اللبنانيين لإقرار قانون مشابه في لبنان، ما يعكس تحوّلاً دولياً متزايداً. فمنذ أن اتخذت أستراليا هذا القرار، بادرت عدة دول إلى إدخال أو النظر في فرض قيود على استخدام الشباب لوسائل التواصل الاجتماعي.
ويتّخذ هذا النقاش بُعداً أعمق وأكثر شخصيّة… أنا كنت محظوظاً بأنني نشأت في حقبة ما قبل وسائل التواصل الاجتماعي؛ ومثلي، يتذكّر العديد من البالغين اليوم طفولة خاليةً إلى حد كبير من هيمنة الشاشات، طفولة اتّسمت بدلاً من ذلك باللعب في الهواء الطلق، والاستكشاف الإبداعي، وممارسة الرياضة. وقد كانت هذه التجارب أساسية في تكويني وتكوين ابناء جيلي.
إننا مدينون للأجيال القادمة بالحفاظ على مساحة تتّسع لمثل هذه اللحظات. فحماية الأطفال من التأثيرات الأكثر ضرراً لوسائل التواصل الاجتماعي لا تعني رفض التكنولوجيا، بل تفترض ضمان ألا تكون هذه الوسائل على حساب صحتهم النفسية، وتطوّرهم.
