بعد اتفاق واشنطن وطهران: هل يبقى “الشيطان الأكبر” شيطاناً؟
منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، شكّل شعار “الموت لأميركا” وتوصيف الولايات المتحدة بـ”الشيطان الأكبر”، أحد أعمدة الخطاب السياسي والعقائدي للجمهورية الإسلامية وحلفائها في المنطقة. ومدى عقود، لم يكن هذا التوصيف مجرد عبارة دعائية، بل جزء من هوية سياسية كاملة بُنيت عليها تحالفات وصراعات وحروب وخيارات استراتيجية امتدت من طهران إلى بيروت مروراً ببغداد ودمشق.
لكن الاتفاق الذي وقع بين الولايات المتحدة وإيران في 17 حزيران الجاري يطرح أسئلة لم تكن مطروحة بهذا الوضوح من قبل. فحين تجلس طهران وواشنطن إلى طاولة واحدة وتوقعان تفاهمات تشمل ملفاتٍ إقليمية حساسة، بينها لبنان، يصبح من المشروع التساؤل: ماذا سيبقى من صورة “الشيطان الأكبر”، وكيف سيتعامل “حزب الله” مع هذا التحول؟
لا تبدو الإجابة سهلة. فالحزب الذي بنى جزءاً كبيراً من خطابه السياسي على مواجهة المشروع الأميركي في المنطقة لا يستطيع بين ليلة وضحاها إعلان انتهاء العداء مع الولايات المتحدة. فذلك سيعني عملياً التخلي عن أحد المرتكزات الفكرية التي رافقت نشأته وتطوره طوال أكثر من أربعة عقود.
في المقابل، لا يمكن تجاهل حقيقة أن السياسة غالباً ما تتقدم على العقيدة عندما تتطلب المصالح ذلك. فإيران نفسها التي رفعت لواء المواجهة مع واشنطن لعقود، وخاضت حرباً ضروساً اختارت في لحظة معينة التفاوض معها والتوصل إلى تفاهمات مباشرة. وهذا ليس أمراً جديداً في تاريخ الجمهورية الإسلامية التي سبق لها أن فاوَضت الولايات المتحدة في ملفات متعددة عندما رأت أن مصلحتها الوطنية تستدعي ذلك.
من أميركا إلى إسرائيل
التحدي الحقيقي قد لا يكون في تغيير الشعارات، بل في إعادة ترتيب الأولويات.
ففي المرحلة المقبلة، قد يجد “حزب الله” نفسه أمام واقع سياسي جديد تصبح فيه إسرائيل، أكثر من أي وقت مضى، العدو الوحيد الظاهر في الخطاب اليومي. فطالما أن طهران دخلت في مسار تفاهم مع واشنطن، ولو بقيت الخلافات قائمة بينهما، فإن التركيز المستمر على الولايات المتحدة باعتبارها رأس المواجهة قد يفقد جزءاً من زخمه السياسي والإعلامي.
عندها سيبرز اتجاه نحو حصر الصراع بإسرائيل، سواء من خلال استمرار الحديث عن الاحتلال والنقاط الحدودية المتنازع عليها، أو من خلال التمسك بمعادلة أن السلاح لا يزال ضرورياً لمواجهة الخطر الإسرائيلي المباشر.
وقد يكون هذا التحول أكثر أهمية مما يبدو للوهلة الأولى. فمنذ سنوات طوال، كان الحزب يقدم نفسه كجزء من محور يواجه الولايات المتحدة وإسرائيل معاً. أما اليوم، فقد يجد نفسه مضطراً إلى التركيز على إسرائيل وحدها، بينما تتحول واشنطن تدريجاً من خصم مباشر إلى طرف تفاوضي تتعامل معه طهران لتحقيق مصالحها.
معضلة الخطاب الجديد
المشكلة أن جمهور الحزب اعتاد على سردية متكاملة تعتبر أن الولايات المتحدة هي الراعي الأساسي للمشروع الإسرائيلي في المنطقة، وأن المواجهة مع الطرفين جزء من معركة واحدة.
أما في ظل الاتفاق الجديد، فسيكون من الصعب تفسير كيف يمكن الولايات المتحدة أن تبقى “الشيطان الأكبر”، فيما يجلس المسؤولون الإيرانيون معها ويوقعون اتفاقات تتناول ملفات المنطقة ومستقبلها؟
صحيح أن الحزب لن يتخلى عن خطابه العقائدي بسهولة، وصحيح أن أدبياته السياسية لن تشهد انقلاباً جذرياً بين ليلة وضحاها، إلا أن طبيعة المرحلة المقبلة قد تفرض تعديلات تدريجية في الأولويات والنبرة والمفردات المستخدمة.
فالتاريخ السياسي مليء بالشعارات التي بقيت حاضرة في النصوص وغابت عن الممارسة. وقد يكون هذا ما نشهده اليوم في العلاقة بين طهران وواشنطن.
في لبنان، حيث ترتبط قضية سلاح “حزب الله” مباشرة بمفهوم العدو والتهديد الخارجي، قد لا يكون السؤال الأساسي ما إذا كانت أميركا ستبقى “الشيطان الأكبر”، بل ما إذا كانت إسرائيل ستصبح وحدها العنوان المتبقي لتبرير استمرار السلاح بعد أن اختارت إيران نفسها طريق التفاهم مع واشنطن.
وهنا تحديداً يكمن أحد أبرز التحديات الفكرية والسياسية التي سيواجهها الحزب في المرحلة المقبلة: كيف يحافظ على سرديته التقليدية في زمن تتغير فيه الوقائع التي قامت عليها هذه السردية؟
