تحويلات المصريين تفوق الصادرات ودخل قناة السويس.. مطالبات بالإنصاف
سجلت تحويلات المصريين العاملين في الخارج رقما قياسيا جديدا، حيث قفزت إلى 47.3 مليار دولار في العام المالي الأخير (2025/2026)، مقابل نحو 36.5 مليار دولار خلال السنة المالية 2024/2025) بزيادة 29.6 بالمئة، وفق بيان البنك المركزي، الخميس الماضي، ما حدا بمتحدثين لـ”عربي21″، مطالبة الحكومة المصرية اعتماد سياسات مغايرة في هذا الملف.
47.3 مليار دولار، رقم يتفوق على إجمالي صادرات مصر البترولية وغير البترولية (40.2 مليار دولار) خلال عام (2024/2025) مضافا إليها دخل قناة السويس (3.6 مليار دولار)، ويمثل نحو 3 أضعاف حصيلة مصر من السياحة (16.7 مليار دولار)، وفق رصد الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني، الذي أكد خلال صفحته بـ”فيسبوك”، أن “عقول مصر وزهورها المهاجرة أكبر مصدر للنقد الأجنبي رغم دعم الصادرات والسياحة”.
تلك الطفرة في التحويلات اعتبرها الكاتب الاقتصادي مصطفى عبدالسلام، “تدعم استقرار سوق الصرف الأجنبي وقيمة الجنيه وتساعد الدولة في سداد التزاماتها سواء أعباء الدين الخارجي أو كلفة الواردات من حبوب وأغذية ومشتقات وقود وغيرها”، مشيرا عبر “فيسبوك”، إلى أن تلك الزيادة مدفوعة بمخاوف نحو 6 مليون مصري يقيمون في الخليج العربي، من حرب إيران، ما دعاهم لتحويل مدخراتهم من بنوك الخليج إلى البنوك المصرية بسبب المخاوف الأمنية والمخاطر الجيوسياسية.
اظهار أخبار متعلقة
ويؤكد متحدثون لـ”عربي21″، أن “تلك الأرقام تجعل من المصريين في الخارج أكبر مصدر للنقد الأجنبي لمصر”، مطالبين الحكومة المصرية بـ”دعم توجه تصدير العمالة الفنية للخارج عبر التعليم والتدريب، وتحقيق مكاسب القضاء على الهجرة غير الشرعية وموت مئات الشباب سنويا غرقا بالبحر المتوسط، وفي الوقت ذاته مضاعفة تحويلات العملة الصعبة؟”.
ويشيرون إلى أنه في الحالة الهندية، فإن تحويلات الهنود في الخارج إلى بلادهم تجاوزت الـ 52 مليار دولار خلال النصف الأول من العام، ما يعني أكثر من 100 مليار دولار سنويا هي إمدادات الهنود بالخارج، وذلك لضخامة الجالية المقدرة بـ35 مليون شخص، وارتفاع أجورهم بقطاعات التقنية والمال والخدمات، إلى جانب حوافز بنك الاحتياطي الهندي التي جذبت المدخرات عبر فوائد تنافسية تصل إلى 7.75 بالمئة.
البداية من التعليم
وفي إجابته على السؤال: ماذا لو لم تتعامل الحكومة المصرية بسياساتها الخاطئة مع أهم مصدر لإيرادات العملة الصعبة؟، تحدث رئيس الأكاديمية الأوروبية للتمويل والاقتصاد الإسلامي (EAIFE) الدكتور أشرف دوابه، لـ”عربي21″.
وأشار أولا إلى أن “موضوع العمالة الفنية في مصر يواجه مشكلة عدم الاهتمام الكافي بالمدارس الفنية التي تقدم نوعية من التخصص للطفل، حتى يتم توجيه مهاراته من السنوات الأولى نحو هذا النوع أو ذلك من التعليم الفني”.
الأكاديمي المصري ورئيس التمويل والاقتصاد بجامعة “اسطنبول”، أكد لـ”عربي21″، أنه “لو هناك متعلمون في مصر بهذه الصورة سيكون بالطبع لهم دور أكبر في الخارج ليس بالدول العربية والخليجية فقط بل وفي دول أوروبا أيضا، ولتحقيق هذه المعادلة نحتاج إلى نفس طويل لتحقيق تعليم فني مفيد بصورة منظمة وعلمية وواضحة المعالم، ولكن إشكالية التعليم في مصر تقف حجر عثرة”.
ولفت دوابه، ثانيا إلى أن “هناك فرصة جيدة لمصر، مع وصول العاملين في الخارج وصلوا لهذا الرقم، ولذلك فمن الأولى الآن أن تدعم الدولة المصريين في الخارج ولا تضع عليهم أعباء، ويجب ألا تكون هناك إتاوات مفروضة عليهم في استخراج الأوراق الثبوتية والرسوم، ولو حدث تواصل بين المصريين بالخارج وسفارات بلادهم بصورة جيدة أعتقد أن تحويلاتهم ستزيد وبالطرق الرسمية أكثر”.
وختم مؤكدا أن “الواجب عمل حوافز للعاملين في الخارج، وبينها تخصيص وطرح أراضي، وجميعها أساليب جيدة يستفيد منها المواطن والدولة؛ ولكن المهم ألا يكون هناك إتاوات مفروضة أو محاولة لأخذ ما في جيوبهم، ولو تغيرت المنهجية ستكون الصورة أفضل والفرصة أكبر لزيادة تحويلات المصريين العاملين في الخارج”.
ماذا يقول المصريون بالخارج؟
وانتقد مصريون يعملون في الخارج السياسات الحكومية بحقهم، موضحين أنه “في إطار تعزيز الموارد الدولارية وسد الفجوة التمويلية تضعهم الحكومة بدائرة الاستنزاف عبر قرارات ومشروعات جبائية، ورفع قيمة وأسعار ما تقدمه لهم من مشروعات كالإسكان والأراضي والسيارات وتوفيق أوضاع الموقف التجنيدي وغيرها، ودون حوافز حقيقية كالإعفاءات الضريبية والجمركية دون شروط، مع قرارات وإجراءات أثارت استيائهم”.
وفي حديثهم لـ”عربي21″، أكدوا أن “من بين تلك المبادرات المثيرة، إعفاء السيارات المستوردة للاستخدام الشخصي من الجمارك والضرائب والرسوم، مقابل إيداع وديعة دولارية بقيمة هذه الرسوم لدى وزارة المالية 5 سنوات، يتم استردادها لاحقا بالجنيه المصري، ما يعني خسارة كبيرة”.
وأشاروا إلى “مبادرة تسوية الموقف التجنيدي مقابل 5 آلاف دولار أو يورو التي تم رفعها إلى 7 آلاف لاحقا، ومشروع (بيت الوطن) وتخصيص أراضي لهم بالدولار، وطرح الشهادات الدولارية بعوائد 7 و9 بالمئة، بجانب وثيقة التأمين والمعاش بالدولار؛ وكلها بهدف جمع العملة الصعبة في الأساس”.
وتسبب إبقاء سعر الصرف رسمياً أدنى بكثير من السوق السوداء لفترة طويلة (قبل آذار/مارس 2024)، في خسارة التحويلات البنكية الرسمية لنصف قيمتها، ما دفع المصريين بالخارج إلى الاعتماد على السوق الموازية والتحويل خارج الإطار الرسمي.
كما اشتكى مصريون بالخارج من “القيود المفروضة على بطاقات الائتمان المسحوبة على حسابات بالجنيه المصري أثناء التواجد بالخارج، ملمحين إلى تضررهم من “اشتراط سداد بعض الخدمات القنصلية والتأمينية أو الغرامات ورسوم المعاملات الرسمية بالعملات الأجنبية بدلاً من الجنيه المصري”.
كنز مهمل
وتشير أوضاع البلاد إلى تأزم كبير في ملف الديون الخارجية، وما يتبعه من ضرورة توفير مليارات الدولارات لسداد فوائد وأقساط ديون خارجية تقدر بـ164 مليار دولار، ومن المتوقع وفق صندوق النقد الدولي أن تصل إلى 177 مليار دولار العام القادم.
ويلفت خبراء وسياسيون إلى ضرورة الاستفادة من قوة مصر العاملة الضخمة حيث تبلغ نسبة مساهمة الشباب في قوة العمل نحو 47.1 بالمئة، داعين إلى الاهتمام بملفات التعليم والتدريب لتصدير العمالة المصرية للخارج.
وبلغ إجمالي حجم قوة العمل في مصر نحو 35.64 مليون فرد خلال الربع الثاني من عام 2026، بينما بلغ عدد الشباب في الفئة العمرية من 18 إلى 29 سنة نحو 21.5 مليون نسمة (يمثلون 19.8 بالمئة من إجمالي السكان)، وفقاً لبيانات “الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء”، الشهر الجاري.
ويُقدر عدد المصريين بالخارج بنحو 14 مليونا وفقا لتقديرات وزارة الهجرة، تستحوذ الدول العربية على نحو 62 بالمئة منهم بحوالي 7 ملايين مصري أكثرهم بالسعودية والإمارات والأردن وقطر والكويت، بينما هناك حوالي 19.5 بالمئة في الأمريكيتين بما يقارب 2.2 مليون نسمة، ونحو 15 بالمئة في أوروبا بما يقارب 1.6 مليون مصري، أغلبهم في إيطاليا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا.
السياسي محمد عوض: تساءل: “طالما أن تحويلات المصريين تعادل مجموع عوائد تصدير بترول وغير بترول، فلماذا لا نهتم بتنمية تحويلات المصريين؟”، مؤكدا أن تلك التحويلات يضاف إليها 8 مليارات دولار قيمة أعباء 8 ملايين مواطن بالخارج لو بقوا في مصر، موضحا أنه ولذلك فالتحويلات تعادل ٩٢ بالمئة من الإيرادات، منتقدا عدم تنمية الدولة لهذا المصدر الرئيسي للإيرادات العامة، داعيا لتنفيذ حزم من الحوافز كإعفاءات جمركية وضريبية بشرط حد أدنى لقيمة تحويلات سنوية.
ضد المواطن
وفي تقديره، قال الأستاذ الزائر في الاقتصاد بجامعة “ميشيغان” الدكتور رضا نجيب، هناك الكثير من الأفكار التي تدعم زيادة حجم عوائد وتحويلات المصريين في الخارج ومساهماتهم في توفير النقد الأجنبي، مستدركا في حديثه لـ”عربي21″، لكن “الحكومة لن تأخذ بتلك الأفكار؛ بل للأسف معظم قراراتها تأتي ضد مصلحة المصري في الخارج، ومنها على سبيل المثال فرض ضريبة على الهاتف المحمول عند وصوله إلى أرض الوطن”.
استنزاف بلا خدمات
وفي تقديره، قال الناشط المصري المقيم في الخارج، سعيد عباسي، لـ”عربي21″: “رغم التجاهل التام لمصالح المصريين في الخارج من قبل حكومة السيسي واستنزافها لهم ترى المصريين يحولون مبالغ هي الأكبر دخلاً من العملة الصعبة للداخل المصري وتفوق أي دخل آخر”.
وأوضح أنه “رغم ذلك تقصر الحكومة المصرية بقيادة السيسي في أبسط حقوق المصريين بالخارج؛ حيث لا خدمات بالسفارات المصرية تليق، ولا تجديدات لجوازات السفر بسهولة، ولا لبطاقات الرقم القومي، ولا أي مميزات تميز المصري المغترب عن بلده وأهله”.
اظهار أخبار متعلقة
ولفت إلى أنه “ومع ذلك يتم استنزافه من حيث الضرائب الباهظة التي يتعرض لها، وحقوقه الضائعة في بلده، والتي لا تري نصير لها من قوانين، وأيضاً لو أراد استقدام سيارة أو هاتف أو هدايا لأهله وأصدقاءه هناك استنزاف غريب له، وكأن الحكومة ومسؤوليها يقولون للمصريين بالخارج افعلوا ما شئتم سنستنزفكم”.
وختم معبرا عن أسفه من أن “الخدمات شبه معدومة، مع غياب العدالة في بلد تسعى حكومتها فقط للجباية من الجميع”.
مستقبلنا بالخارج
وهناك توجه لدى بعض المصريين للاستثمار في الخارج، عبر افتتاح شركات لهم مع الحصول على مسكن دائم بشراء وحدات سكنية، إلى جانب تعليم الأبناء بالخارج، والإقامة الدائمة للأسرة هناك، والتعامل مع مصر كسائح يأتيها لعدة أيام كل عام، ما يحرم البلاد من دخل دائم بالعملة الصعبة واستثمار حقيقي عبر البناء والتشييد وافتتاح المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتشغيل العمالة.
تحدثت “عربي21″، مع أكثر من أسرة مصرية مقيمة في إيطاليا، أكدوا أن “هناك استغلال كبير لنا كعامين في الخارج، وأغلب المبادرات التي أطلقتها الدولة لم يكن هدفها تقديم خدمة يحتاجها المصري في الخارج، وكان واضحا حالة الاستنزاف والجباية منها، حتى المبادرات التي كنا بحاجة لها مثل استقدام السيارات أو الموقف التجنيدي، أو حتى تخصيص الأراضي، تم استنزافنا حرفيا منها”.
ويوضح أحد الذي حصلوا على قطعة أرض في مشروع “أرض الوطن”، أن “الاستغلال بان من البداية بتسعير الأرض بالدولار لا بالجنيه، ووضع رسوم غير مبررة ولا مقنعة للحصول على التسجيل والتراخيص والحفر والرسومات الهندسية، وغيرها، كما أن الدولة لم توفر لنا حماية من الموظفين المستغلين الذين فرضوا إتاوات لتوصيل المياه والكهرباء والتليفون، ولا من المقاولين الذين يتعاملون مع المغترب كأنه مستثمر أجنبي، فتضاعفت التكلفة وأغلب من اشتروا أعربوا عن ندمهم ولم يستكملوا عملهم”.
ويلفتون إلى أنه “حدثت حالة ارتداد للخارج بعد أن قرر كثيرون العودة للوطن وافتتاح مشروعات وأعمال وجدوا الكثير من العوائق، بداية من الأمن الوطني الذي يبتز كل صاحب عمل بفرض إتاوة شهرية وليس انتهاء بالمنافسة غير الشريفة في كل القطاعات”، موضحين أنه “في المقابل، عاود كثيرون وأسرهم للإقامة الدائمة في الخارج، وتوجيه مدخراتهم لافتتاح شركات بلا تكلفة كبيرة والحصول على أعمال بكل شفافية، وتعليم أبناءهم في مدارس وجامعات أوروبية، وقبل كل ذلك الحصول على مساكن دائمة عبر الشراء وليس بالإيجار كما كان في السابق”.
وفي كانون الثاني/يناير 2025، صدمت الحكومة المصرية أكثر من 14 مليون مصري يقيمون في الخارج وفقا لإحصائيات رسمية، بفرض رسوم جمركية على الهواتف المستوردة بقيمة 38.5 بالمئة، ذلك بعدما نجحت في جمع رسوم تسجيل للهواتف عند دخول البلاد خلال 2024 بلغت 10 مليارات جنيه.
وعبر صفحتها بـ”فيسبوك”، اشتكت الناشطة المصرية منى إبراهيم، من أزمتها مع قطع خدمة الاتصالات عن خطوط الهاتف لديها ولدى أسرتها، فحاولت وسط صعوبات فنية وتقنية توفير خطوط هاتف مصرية لكنها لم تعمل إلا بتحميل تطبيق “تليفوني”، الذي طالبها بدفع مبلغ 10 ألاف جنيه مقابل فتح التليفون وتشغيله، مشيرة لحاجتها لدفع 40 ألف جنيه لها ولأسرتها مقابل عدة أيام تزور فيها مصر.
