اقتصاد

“اقتصاد الصين الخفي”.. كيف تحول إلى وقود للجريمة العالمية؟

0 0
Read Time:7 Minute, 42 Second

لا يقتصر النفوذ الاقتصادي للصين على التجارة والصناعة والاستثمارات، إذ يكشف تقرير عن اتساع دور شبكات مالية وإجرامية عابرة للحدود تستفيد من اختلالات داخل الاقتصاد الصيني.

نشرت مجلة “فورين أفيرز” تقريراً يسلط الضوء على الوجه المظلم للاقتصاد الصيني ودوره البارز في الاقتصاد غير المشروع العالمي. وقد أدت ضوابط رأس المال والقدرة الصناعية الفائضة إلى ازدهار شبكات الجريمة وغسيل الأموال، وسط تهاون بكين أو تسامحها مع هذه الأنشطة لخدمة مصالحها الاستراتيجية.

وأشارت المجلة، في تقريرها الذي ترجمته “عربي 21″، إلى أن النقاش الدولي ركز، لسنوات طويلة، حول صعود الصين الاقتصادي بوصفها قوة صناعية وتصديرية، إلا أن هناك جانباً مظلماً لهذا النفوذ يتمثل في دور الصين الضخم في الاقتصاد العالمي غير المشروع. وتشترى بكين نحو 90 بالمئة من الصادرات النفطية الإيرانية الخاضعة للعقوبات، والتي غالباً ما تُعاد تسميتها كمنتجات ماليزية، بينما يساعد وسطاء العملات المشفرة في الصين وهونغ كونغ قراصنة كوريا الشمالية.

وأضافت المجلة أن البيانات الصادرة عن الجهات الرقابية تشير إلى أن الاقتصاد غير المشروع في الصين يدر نحو تريليون دولار سنوياً، حيث يخرج ثلثا السلع المقلدة عالمياً من الصين أو هونغ كونغ. وقد تاجرت مجمعات الاحتيال سيئة السمعة في جنوب شرق آسيا، المرتبطة بشبكات إجرامية صينية، ببشر شملوا أكثر من 300 ألف شخص من 66 دولة للعمل القسري، محققة أرباحاً سنوية تقارب 40 مليار دولار.

وذكرت المجلة أن بكين حاولت قمع بعض هذه الأنشطة ففي الفلبين، ألغت وزارة الأمن العام جوازات سفر مئات المتورطين في عمليات المقامرة الخارجية، بينما أسفرت العمليات المشتركة مع ميانمار منذ عام 2023 عن اعتقال أكثر من 57 ألف مواطن صيني يشتبه بتورطهم في الاحتيال عبر الاتصالات، وإغلاق عشرات المجمعات وإعدام بعض زعمائها. وتسعى الولايات المتحدة بدورها لوقف ذلك، حيث أطلقت إدارة ترامب فرقة عمل لمراكز الاحتيال في جنوب شرق آسيا، ووقع الرئيس أمراً تنفيذياً يعطي الأولوية للجرائم الإلكترونية.

اظهار أخبار متعلقة


ومع ذلك، لم تؤدِ أي من هذه الإجراءات أو تحد بشكل كبير من الاقتصاد غير المشروع الذي ينمو باستمرار نظراً لارتباطه بالبنية التحتية والمالية ذاتها التي تدعم الاقتصاد الشرعي للصين وضوابط رأس المال الصارمة والقدرة الصناعية الفائضة. ويظل إنفاذ القانون في بكين انتقائياً وجزئياً لأن بعض أنشطة الاقتصاد الخفي تخدم أهدافها الاستراتيجية الأوسع، مثل استمرار التجارة مع روسيا، مما يجعل دور الصين في الاقتصاد غير المشروع يتعارض بشكل مباشر مع الأولويات الأمريكية عالمياً.

تتبع مسار الأموال

وأضافت المجلة أن القوى الأساسية المحركة للاقتصاد غير المشروع في الصين تتمثل في الاختلالات الهيكلية لنموذجها الاقتصادي، وأبرزها الضوابط الصارمة لرأس المال التي خلقت طلباً هائلاً على إخراج الأموال. ورغم الطفرة الاقتصادية التي أفرزت أكثر من 800 ملياردير، تفرض بكين قيوداً تحد من شراء الأفراد للعملات الأجنبية بـ 50 ألف دولار سنوياً، مما دفع الأثرياء للبحث عن وسائل لتهريب أموالهم نظراً لضعف عوائد الودائع المحلية وغياب فرص الاستثمار الخارجي المربح.

ومنذ تسعينيات القرن الماضي، أنشأ المصرفيون السريون شركات وهمية وحسابات مصرفية في هونغ كونغ للتحايل على قيود رأس المال عبر تسوية معاملات اليوان داخل الصين مقابل دولارات بالخارج. كما تولى الوسطاء الماليون توجيه المدفوعات لتمكين المواطنين من شراء العقارات والحصول على التأشيرات الأجنبية، بينما قام منظمو القمار في ماكاو بتسهيل منح الائتمان وتحصيل الديون باليوان في البر الرئيس، مما عزز عمليات هروب رؤوس الأموال على نطاق واسع.

وقد أدى فائض الطاقة الإنتاجية الصناعية في الصين إلى خفض تكاليف بناء وتشغيل المؤسسات غير المشروعة، حيث أصبحت شبكات البنوك السرية ذاتها، التي أُنشئت لنقل الثروات الخاصة مفيدة للجماعات الإجرامية التي تحتاج إلى تحويل الأموال عبر الحدود وإخفاء مصادرها. 

وذكرت المجلة أن الوسطاء الماليين ومؤسسات الاحتيال الإجرامي يقتربون شيئاً فشيئاً، مما يجعل أنشطتهم أكثر صعوبة في التفكيك وتعطيلها. فقد دفعت التغيرات السياسية، مثل حملة مكافحة الفساد في الصين، مشغلي صالات القمار والممولين السريين للخروج من قواعدهم في هونغ كونغ وماكاو والبر الرئيس إلى كمبوديا والفلبين ومواقع أخرى في جنوب شرق آسيا، حيث اندمجوا مع شبكات إجرامية ذات علاقات تجارية وسياسية. 

اظهار أخبار متعلقة


وبينما تولد شبكات الاحتيال العائدات، يقوم الممولون السريون بغسيل الأموال وتحويلها عبر القنوات ذاتها التي يستخدمها العملاء الصينيون لنقل الثروات للخارج. وقد أظهرت عملية مكافحة غسيل الأموال التي جرت في سنغافورة عام 2023 مدى تداخل القنوات المالية وشبكات الاحتيال بعمق؛ حيث ضبطت السلطات شققاً سكنية وذهباً وعملات مشفرة وحسابات مصرفية تجاوزت قيمتها 2.2 مليار دولار، وألقت القبض على عشرة أشخاص جميعهم من أصل صيني ويحمل معظمهم جوازات سفر أجنبية، بينما تتبعت الشرطة السنغافورية أعضاء الشبكة لتكشف ارتباطهم بعمليات الاحتيال عبر الإنترنت والقمار غير المشروع.

وأضافت المجلة أن الفائض في الطاقة الإنتاجية الصناعية في الصين أسهم أيضاً في خفض تكاليف تأسيس وتشغيل المشروعات غير المشروعة. فمنذ عام 2021، أدى تباطؤ قطاع العقارات الصيني إلى ضعف الطلب المحلي على الصلب والأسمنت ومواد البناء الأخرى، مما أدى إلى تصدير الفائض منها مع الخدمات الإنشائية الصينية للمساعدة في تطوير الكازينوهات والمناطق الاقتصادية الخاصة ومجمعات الاحتيال في جنوب شرق آسيا بسرعة ودعم عائدات التصدير. 

كما أن وفرة المنتجات في قطاع الإلكترونيات الضخم في الصين، بما في ذلك الهواتف الرخيصة وأجهزة الكمبيوتر ومعدات الاتصالات، جعلت من الاقتصادي للشبكات الإجرامية إدارة عمليات الاحتيال على نطاق صناعي. فضلاً عن ذلك، جعلت القدرة الفائضة في قطاع تكرير النفط الصيني النفط الإيراني الخام المخفض جذاباً بشكل خاص للمصافي المستقلة.

دبلوماسية بلا تكلفة

وعلى الرغم من جهود الإنفاذ المتفرقة، فإن الفوائد التي يجنيها المسؤولون في مختلف مستويات الحكومة الصينية من الاقتصاد غير المشروع تجعل إيقافه أمراً صعباً حيث يسعى المسؤولون المحليون لحماية الشركات والتدفقات المالية المربحة حتى وإن شاركت في أنشطة غير المشروع، وتتغاضى بكين انتقائياً عن تدفقات الأموال والسلع المشبوهة عندما تخدم مصالحها الاستراتيجية. وتلعب مؤسسات الحزب الشيوعي دوراً أيضاً، حيث تتداخل بعض الشخصيات في منظمات الجبهة المتحدة وروابط الصينيين بالخارج مع شبكات إجرامية، مما يمنحهم شبكات وصول إلى النخبة السياسية في الدول المضيفة ويدمجهم في أنشطة نفوذ موالية لبكين.

وتابعت المجلة أن حكومات المقاطعات، التي يواجه قادتها حوافز قوية لتحقيق النمو، تستفيد من الأنشطة الاقتصادية سواء كانت مشروعة أو غير مشروع. فعلى سبيل المثال، في مقاطعة فوجيان، دعم مسؤولو مدينة نينغده شركة البطاريات كاتل لتعزيز النمو الصناعي، بينما أنشأ مشغلون محليون في مقاطعة أنكسي شبكة احتيال واسعة النطاق امتدت لجنوب شرق آسيا.

اظهار أخبار متعلقة


ورغم انخراط المدينتين في شبكات فوجيان التجارية والمالية، فقد تباينت نتائجهما بين كتلة صناعية تنافسية واقتصاد عابر للحدود غير قانوني، وفي الحالتين حقق القادة مستويات عالية من النمو الاقتصادي.

ويخدم الدعم المحلي للأنشطة غير المشروعة أهداف بكين الخارجية؛ ففي عام 2024، بلغت التجارة بين مقاطعة هيلونغجيان وروسيا 32.2 مليار دولار عبر توريد سلع مزدوجة الاستخدام. ولإبقاء الدولة بمنأى عن العقوبات، تعتمد بكين على الشركات الإقليمية والخاصة في تمرير هذه الصفقات، تماماً كما تستخدم الوسطاء والشركات الوهمية في هونغ كونغ والبر الرئيس لتسوية مشتريات النفط الإيراني وعمليات كوريا الشمالية.

وفي حالات قليلة، قد تكون هناك صلات مباشرة بين زعماء الجريمة وأجهزة الاستخبارات الصينية، حيث يستطيع هؤلاء الزعماء من خلال معاملاتهم الخاصة اختراق الأحزاب الحاكمة في دول أخرى والاقتراب من القادة السياسيين للحصول على معلومات لا تستطيع السفارات الرسمية نيلها بسهولة.

وأوضحت المجلة أن بكين تبدي استعداداً لقمع الأنشطة غير المشروعة في ظروف معينة فعندما يكون المواطنون الصينيون ضحايا للاختطاف أو الاحتيال، تتحرك السلطات بسرعة لإجراء الاعتقالات. وبالمثل، تتدخل بكين عندما يصبح زعماء الجريمة عبئاً دولياً يضر بعلاقاتها مع الدول الأخرى، أو عندما يسقط رعاتهم السياسيون. 

تشديد الخناق
وأشارت المجلة إلى أنه يتوجب على بكين وواشنطن العمل معاً لمكافحة الأنشطة غير المشروعة، إذ لا ترغب الصين في وجود شبكات مصرفية سرية تتيح هروب رؤوس الأموال، وتُعد عمليات “الصيغة الشبكية” التابعة لبكين لإعادة الهاربين، والتي طاردت منذ عام 2015 آلاف المسؤولين الفاسدين والهاربين الاقتصاديين، إقراراً صريحاً بأن البنية التحتية لنقل الأموال وإخفاء الأصول بالخارج تعيق سيطرة الدولة الصينية.

ومع استمرار المحادثات رفيعة المستوى بين البلدين، يمثل تقييد البنية المالية السرية للاقتصاد الخفي فرصة لتحقيق مكسب دبلوماسي متبادل، يمكن أن يبدأ بتبادل المعلومات بشأن الشركات الوهمية وتنسيق الحملات ضد أكبر الشبكات المصرفية السرية، على غرار تعاونهما في تأسيس مجموعة عمل لمكافحة المخدرات في كانون الأول/ يناير 2024 لمواجهة تهريب الفنتانيل.

وفي المجالات التي لا تبدو بكين مستعدة أو راغبة في معالجة المشكلة، يتعين على واشنطن استخدام أدواتها الخاصة حيث يمكنها إضفاء الطابع المؤسسي على التعاون بين الدول ذات المصالح المشتركة في مكافحة الجريمة العابرة للحدود المرتبطة بجنوب شرق آسيا -مثل كوريا الجنوبية وتايوان وتايلاند وسينغافورة- عبر ترتيب دائم لتبادل المعلومات حول المعاملات المرتبطة بشبكات التمويل غير المشروع للحد من فرصة توسيع المجرمين لنطاق وصولهم.

ورغم وضع مجموعة العمل المالي معايير لمكافحة غسيل الأموال، فإن ما ينقص هو التزام سياسي بين الحلفاء لمشاركة البيانات التشغيلية بانتظام، بالاستفادة من بيانات شبكة إنفاذ جرائم التمويل التابعة لوزارة الخزانة الأمريكية ووحدات الاستخبارات المالية الحليفة لتحويل هذا الالتزام إلى ممارسة روتينية.

وأفادت المجلة أن بإمكان وزارة الخزانة الأمريكية تفعيل المادة 311 من قانون “الوطن” لقطع التعاملات الأمريكية مع المؤسسات المالية الأجنبية المتورطة في غسيل الأموال، كالمؤسسات الصينية وهونغ كونغ المسهلة لشراء النفط الإيراني أو تبييض العملات المشفرة وعائدات العصابات. وبعد سوابق تطبيقها ضد بنك صيني عام 2017 ومجموعة “هويون” الكمبودية عام 2025، يمكن استخدام هذه الأدوات لفرض تكاليف باهظة على الكيانات المديرة لعوائد النفط الإيراني الخاضع للعقوبات.

وأشارت المجلة إلى أن الولايات المتحدة سمحت لفترة طويلة من الزمن بتمرير الأنشطة غير المشروعة رغم تقويضها لأولويات سياستها الخارجية وفقد فشلت في وقف المشتريات الصينية للنفط الإيراني رغم العقوبات، مما أفرغ الجهود الرامية لتقييد تدفق الأموال إلى إيران من مضمونها.

كما أن العملات المشفرة المسروقة من قراصنة كوريا الشمالية والمغسولة عبر الوسطاء الماليين الصينيين توفر تمويلاً لبرامج بيونغ يانغ التسليحية، مما يقوض سياسة عدم الانتشار النووي. وعلاوة على ذلك، تستنزف مجمعات الاحتيال التي بنتها الشبكات الصينية عبر جنوب شرق آسيا عشرات مليارات الدولارات سنوياً من الضحايا حول العالم، بما في ذلك في الولايات المتحدة. 

واختتمت المجلة تقريرها مبينة أن الاختلالات الهيكلية للصين تغذي هذا النشاط الاقتصادي غير المشروع، وإذا أرادت واشنطن حقاً منافسة الصين والتصدي لتداعيات صعودها الاقتصادي، فسيتعين عليها التعامل مع الجوانب الرسمية وغير الرسمية على حد سواء.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *