العلوم والتكنولوجيا

بين سردين المغرب وسومون النروج

0 0
Read Time:3 Minute, 27 Second

لم يكتف دونالد ترامب باستغلال استضافة بلاده (مع المكسيك وكندا) المونديال. أراد أن يكون نجمه أيضاً. ليست مهمة نتيجة ذلك وتفاعلاته، إنه المونديال الأخير الذي يمر في أميركا في حياته والفرصة لن تتكرر في حدث رياضي آخر كبير. وعلى طريقة إدارته أميركا وأزمات العالم اختار ترامب أن يقتحم الحدث الرياضي الأهم عالمياً ليثير ضجة حوله ويستأثر باهتمام الميديا والوسط الرياضي العالمي كله وجمهوره. لا يهتم ترامب كثيراً بكرة القدم وآدابها وأخلاقها، كل شيء بالنسبة إليه هو تجارة وسياسة تخدم صورته عن نفسه وإعجابه بها. آخر همه ما سيقوله العالم عن تدخله الفظ الذي لم تنجح تبريراته اللاحقة وتبريرات جياني انفانتينو في التخفيف من حدة انتقاده التي ارتفعت من بلجيكا وبريطانيا واتحاد كرة القدم الأوروبي ومنتخبات وهيئات رياضية أخرى.


السياسة في الفيفا

حشر ترامب أنفه في المونديال بشكل مباشر عندما طلب من رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم انفانتينو مراجعة إشهار بطاقة حمراء وجهت إلى لاعب في المنتخب الأميركي كي تتسنى له المشاركة في مباراة تالية ضد المنتخب البلجيكي. والأخطر من طلب ترامب أن انفانتينو استجاب للطلب وعلّق فعالية البطاقة الحمراء التي تمنع اللاعب من المشاركة في المباراة المصيرية، الأمر الذي أثار بشدة مسألة التاثير السياسي على الحدث الرياضي وكذلك عن الفساد في الفيفا وعن انحيازات الحكام الفاضحة في مباريات كثيرة، لعل أخطرها ما حدث في مباراة الأرجنتين ضد مصر، حيث اعتمدت تقنية الفار بشكل غير متوازن بين الفريقين منحازة إلى الفريق الأرجنتيني. على كل حال التلاعب التحكيمي ليس جديداً في المونديالات وهذا بحث آخر.


لم يثر مونديال سابق ما أثاره المونديال الحالي من جدل حتى قبل أسبوع من نهايته وما يمكن أن تحمل معها من أحداث و”مفاجآت”.
ليس المونديال حدثاً رياضياً بحتاً، الرياضة عموماً هي جزء من الحياة العامة والاستثمار التجاري والدعائي السياسي. منذ مونديال الأورغواي الأول عام 1930 وحتى المونديال الحالي حضرت السياسة بشكل مباشر وفج أحياناً، وبشكل غير مباشر أحياناً أخرى. من مونديال إيطاليا موسوليني إلى مونديال أميركا دونالد ترامب مروراً بمونديال الأرجنتين الدكتاتورية عام 1978 وغيرها كانت السياسة حاضرة، فضلاً عن المال والإعلام والتجارة…وبالتأكيد الفساد المالي والتحكيمي الذي وصل إلى حد الفضيحة في بعض المونديالات.


العالم يتغير، منذ انتصرت الرأسمالية بتكنولوجيتها المتفوقة وتغولها الاجتماعي والفكري وأعلن فرنسيس فوكوياما نهاية التاريخ، انتهت الرياضة بمفهومها الأصلي والحقيقي. لم تعد هواية يمارسها هواة موهوبون من أجل المتعة الشخصية وإمتاع الجمهور بكلفة غالباً متاحة للجميع، وترعاها الدول وتنفق عليها بعض المال كجزء من وظيفتها الاجتماعية ولتعزيز حضورها في المحافل الدولية. دخل البزنس فحوّلها إلى مهنة يتفوق فيها من يملك بنية أقوى وليس بالضرورة عقلاً أقوى. أغرقتها الشركات في المال وصنعت من أبطالها آلهة وأساطير وضمتها إلى سلعها الخاصة، هي وأبطالها، فصارت سوقاً يستهلكها صاحب المال وحده فيما يلهث الفقير وراء الشاشات التي تقبض ثمن كل شيء بعدما تكون الاتحادات الرياضية الرأسمالية قد فرضت ملايين الدولارات بدل بث تلفزيوني. 


السردين والسومون

يكشف مونديال 2026 مفارقات وتفاوتات عميقة. يضع العالم بمبادئه وأخلاقه تحت مجهر من يرى ويلاحظ. هذا مونديال السومون النروجي الذي أعدت من أجله تقارير تلفزيونية لأن الضخم الجثة البارد إيرلينغ هالاند يتغذى عليه، وليس سردين المغرب والسنغال، وحتى البرتغال، الإنتاج البحري الرئيسي لهذه البلدان التي تنتج أفضله. هالاند الأشقر هو الوجه الجديد لكرة القدم الدولية، الأسطورة القادمة بعد نهاية العصر الطويل لثنائية ميسي ورونالدو التي هيمنت على عالم الفوتبول وإعلامه وجوائزه  على مدى عقدين من الزمن. ثنائية جديدة تتحضر. فرنسية – نرويجية: مبابي في مواجهة هالاند. المنافسة والترويج يقتضيان ذلك. الأشقر في منافسة الأسمر: مزيج لوني يعكس تصورين متناقضين: المساواة والتمايز.


أياً يكن بطل مونديال هذا العام، سيذكر العالم طويلاً ليونيل ميسي باعتباره أسطورة من أساطير كرة القدم، وهو أمر صحيح، فاللاعب يعتبر حقاً ظاهرة نادرة حظيت بكثير من العناية والمسايرة. لاعب كبير وموهوب بشخصية لا طعم لها ولا لون عمل عليه ليتفوق على أسطورة أرجنتينية أخرى ملأت الدنيا وشغلت الناس هي دييغو مارادونا.

كان مارادونا لاعباً كبيراً وموهوباً، لكنه كان أيضاً رجلاً صاحب رأي وقضية وتأثير. كان أكثر من مجرد فتى يركض خلف الكرة ويناور بها ثم يدخلها في شباك الخصم. ربما كان المطلوب أن يُنسي ميسي الذي ليس أكثر من مجرد آلة تسجيل متفوقة مارادونا المشاكس صديق فيديل كاسترو الذي انغمس في حياة الفقراء وجرب كل شيء قبل أن تقتله رغباته وحبه للحياة. مارادونا الذي حاربته الرأسمالية المتوحشة، هي نفسها تصنع ميسي أسطورة. لا تحجب الأسطورة الا أسطورة أخرى، ولا بأس في أن تكون مجرد آلة.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *