من ينتصر في طهران: دعاة الثأر أم أنصار التفاوض؟
لا يجتمع متضادان: التفاوض والثأر؛ فالثوار المتطرفون، كما سماهم الإعلام الإيراني، طاردوا وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، أثناء مشاركته في مراسم تشييع جنازة المرشد الأعلى، علي خامنئي، بالحجارة والزجاجات، إضافةً إلى ترديدهم شعارات مثل: “الموت للمساوم” و”الموت للخائن”. وكل هذا لأنهم يطالبون بالانتقام والثأر، بينما يطالب عراقجي ورئيسه بزشكيان بالتفاوض وإنهاء الحرب، ما يكشف عن اتساع الهوة بين التيارين المحافظ والإصلاحي في إيران، أو أن هناك طرفاً ثالثاً يلعب بكليهما!
يأتي هذا الصراع بينما لم تنطفئ بعد نار الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وسط انتهاكاتٍ لمذكرة التفاهم بين الطرفين؛ فإيران لا تزال تستهدف ناقلات النفط في مضيق هرمز وأراضي الكويت والبحرين، والضربات الأميركية تطاول المنشآت الحيوية والعسكرية في جنوب إيران، كما عادت العقوبات على صادرات النفط الإيراني، ولا يزال لبنان رهينةً في يد إسرائيل. أما الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فقال أمام قمة الناتو إنه أضاع الكثير من الوقت، ولا يريد الدخول مجدداً في نقاش مع إيران.
المطالبة برأس ترامب
منذ الولاية الأولى للرئيس ترامب، وهناك مطالب داخل إيران بالثأر من إدارته التي اغتالت قائد فيلق القدس قاسم سليماني، حتى أن وزير الخارجية الأميركي آنذاك مايك بومبيو، لا يزال يتلفت خلفه خشية تنفيذ التهديد باغتياله. وحتى محاولات اغتيال ترامب نفسه، أُشير فيها بأصابع الاتهام إلى إيران. وقد ارتفعت وتيرة المطالبة برأس ترامب تزامناً مع أيام تشييع خامنئي، حتى إن حسين شريعتمداري، مدير صحيفة “كيهان” المحسوبة على معسكر المرشد الأعلى، طالب صراحةً برأس ترامب!
وأوضح في مقاله أن الثأر من ترامب بات ثقيلاً بعد عمليات اغتيال الأمين العام لـ”حزب الله” اللبناني، حسن نصر الله، والمرشد الأعلى علي خامنئي، وأن هذا مطلب عشرات الملايين الذين حضروا تشييع المرشد الراحل، وأن على الحكومة الإيرانية أن تعلن رسمياً أن ترامب وشركاءه، وحتى الطيارين الذين شاركوا في عمليات الاغتيال، أهدافٌ يجب القضاء عليها، وأنها ستقتلهم أينما وُجدوا، مع رصد مكافأة مالية لمَن ينفذ هذا الانتقام!
انقسام حول المفاوضات
بالطبع، أصبحت المفاوضات مع الجانب الأميركي نقطة انقسام بين الساسة في إيران، إلى درجة أن التيار المتشدد باتت لديه رغبة في الذهاب إلى ما لا تُحمد عقباه. فقد دعا البرلماني المتشدد حميد رسائي، في ذروة التوترات العسكرية بين إيران والولايات المتحدة، وبالتزامن مع زيارة ترامب إلى تركيا لحضور قمة الناتو، إلى شن هجوم صاروخي على مقر إقامته في أنقرة. ونشر خريطةً لفندق “ماريوت”، مؤكداً وجود ترامب في الطابق الثالث والعشرين، ملمحاً بذلك إلى أن إيران ستستغل هذه الفرصة للانتقام منه واستهدافه بشكل مباشر.
لكن، بالطبع أيضاً، فإن هدف هذا الخطاب المتشدد هو عرقلة المفاوضات لا أكثر، خشية هيمنة الإصلاحيين على الساحة السياسية، وإلا لما كان شريعتمداري يقول في نهاية مقاله: لا تفاوض مع قتلة المرشد، ويجب استبدالهم بأعضاء من الكونغرس الأميركي! كما أن النائب رسائي يعلم أن قرار استهداف ترامب بيد المرشد والحرس الثوري، لا الرئيس الإيراني!
انقسام حول إيران
حتى داخل الإدارة الأميركية، هناك خلاف على كيفية التعامل مع إيران؛ فغياب ماركو روبيو، الذي يشغل في الوقت نفسه منصبي وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي، عن المفاوضات التي يقودها المبعوث ستيف ويتكوف، ويشارك فيها ذراع ترامب، جاريد كوشنر، ونائب الرئيس، جيه. دي. فانس، يعني أن معسكر إسرائيل يريد الانتصار لرؤيته، على الأقل حتى الفوز بانتخابات الرئاسة عام 2028.
حتى ترامب نفسه ذهب إلى قمة الناتو في تركيا، ووبخ أعضاء الحلف بسبب موقفهم من حربه مع إيران، قائلاً، على سبيل المثال، بشأن رئيسة وزراء إيطاليا: “ميلوني لطيفة، لكنها تقاعست عن تقديم المساعدة بشأن إيران”. لكن واقعياً فإن ترامب ذهب إلى الناتو للحصول على المساندة في معركة تحرير هرمز التي عجز عن حسمها!
