نصائح لكل أب جديد: كيف تحضّر نفسك للأبوة؟ (صور)
قبل أن يُرزق الثنائي بمولود، في مجتمعاتنا، لا يُركّز على حالة الأب النفسية كثيراً، لا بل يُستهان به، ويُركّز في هذه المرحلة على الأم فقط، فيما هو أيضاً يعيش تجربة مليئة بالمشاعر والضغوط، ويحتاج إلى الاستعداد، تماماً كما تحتاج الأم. فهو بدوره مقبل على مسؤولية جديدة، وستتغير جوانب كثيرة من حياته.
قلق الأبوة طبيعي
توضح المعالجة النفسية والأستاذة المحاضرة في جامعة الروح القدس الكسليك، الدكتورة سندي الترك، أنّ مرور الأب بحالة القلق أمر طبيعي جداً. فانتقال الرجل إلى دور الأبوة يُعد من أكبر التحولات في حياته، وهذا القلق هو وسيلة يُحضّره بها العقل لهذه المرحلة الجديدة.
وقد يعاني الآباء أعراضاً حقيقية للقلق خلال هذه الفترة، وفق الترك. وكما تمر المرأة بأفكار ومشاعر وأعراض مرتبطة بالقلق، فإن الرجل أيضاً قد يمر بتجربة مشابهة. فخلال هذه المرحلة، يفكر الأب في مسؤولياته الجديدة، والضغوط المادية، والتغيرات التي ستطرأ على حياته. وقد يفكر في الحرية التي كان يتمتع بها قبل أن يصبح أباً، وكيف ستتغير حياته بعدها، وكيف ستكون علاقته بزوجته، وكيف سيتعامل مع طفله، إلى جانب أنه يكتسب هوية جديدة تماماً، وهي هوية الأب.
لهذا، القلق الذي يرافق هذا الانتقال يُعد أمراً طبيعياً جداً، إذ يحاول الجهاز النفسي أن يعيد تنظيم نفسه استعداداً للهوية الجديدة، وهي طريقة العقل في استيعاب التغيرات الكبيرة التي تحدث في حياة الرجل.
متى يبدأ القلق؟
قد يبدأ القلق منذ اللحظة التي تعلم فيها الزوجة أنها حامل، بحسب الترك، بحيث يبدأ العقل تدريجياً في إعداد الأب لهذا التغيير، وعادةً ما يزداد شيئاً فشيئاً خلال أشهر الحمل، ويبلغ ذروته مع اقتراب موعد الولادة. وخلال هذه الفترة، تدور معظم أفكار الأب حول أسئلة حول كيفية تعامله مع كل التغيرات والأعباء والمسؤوليات والتكاليف التي تنتظره. ويكون هذا القلق أكثر وضوحاً عند انتظار الطفل الأول.
بعد الولادة، يهدأ هذا القلق قليلاً، لكنه لا يختفي، بل يتغير شكله، ليرتبط بقلة النوم، أو بالتأقلم مع الدور الجديد، ويبلغ ذروته خلال الأشهر الثلاثة إلى الستة الأولى بعد الولادة، حيث قد يزداد أحياناً ويخف أحياناً أخرى.
متى يصبح القلق غير طبيعي؟
عندما يتجاوز الحد الطبيعي، ويبدأ بالتأثير في حياة الرجل وقدرته على ممارسة حياته اليومية بصورة طبيعية، تفيد الترك ويمكن اعتبار القلق بحاجة إلى تقييم وعلاج إذا استمر لأكثر من أسبوعين متتاليين دون تحسّن، وبدأ يؤثر في الأداء الوظيفي، أو في النوم، أو في العلاقات الاجتماعية، أو في قدرة الأب على الاهتمام بطفله. وفي الحالات الأكثر شدة، قد تراود الأب أفكار سوداوية، أو إذا تطوّر الأمر إلى أفكار بإيذاء النفس، فهنا يصبح التدخل الطبي الفوري أمراً ضرورياً.
ما هي أعراضه؟
من علامات القلق الخطر هذا، زيادة العصبية بصورة ملحوظة، تكرار نوبات الغضب لدى شخص كان هادئاً. كما قد يظهر من خلال الانسحاب من الزوجة أو الطفل، أو الابتعاد عن الأنشطة التي كان يستمتع بها.
وقد يحاول بعض الآباء الهروب من مشاعرهم بالإفراط في العمل، أو باللجوء إلى شرب الكحول مثلاً. كما قد تظهر أعراض جسدية لا يكون لها سبب عضوي واضح، مثل الصداع المستمر، آلام المعدة، اضطرابات النوم الناتجة من القلق نفسه، إلى جانب شعور عام بعدم الارتياح أو الإحساس بأن الشخص لم يعد على طبيعته. فقد يبدأ بالإحساس بأنه أصبح شخصاً غريباً عن نفسه، ويبتعد كثيراً عن زوجته، وعن طفله وقد يبدأ بلوم نفسه والشعور بالتقصير.
الرجل، خصوصاً في مجتمعاتنا، قد لا يعبر عن حزنه بالبكاء أو بالكلام، بل يظهر ذلك من خلال العصبية، أو الغضب، أو الانسحاب، وهي سلوكيات كثيراً ما يُساء فهمها ولا تُفسر على أنها علامات على معاناة نفسية. ولا بد من النظر إلى مجموعة هذه الأعراض مجتمعة، ومدتها، وتأثيرها في حياته. فعندما تصبح هذه السلوكيات شديدة، ومتكررة، يصبح من الضروري طلب المساعدة.
كيف نساعد الرجل نفسياً للأبوة؟
أولًا أن نتيح له مساحة للحديث والتعبير، تورد الترك، عبر السؤال عن مشاعره أو مخاوفه، ما أكثر الأمور التي تشغل باله خلال حمل زوجته. فإعطاؤه هذه المساحة يساعده على التعامل معها بصورة صحية.
وينبغي التحدّث معه بصراحة عن التغيرات التي تنتظره، والضغوط المتوقَّعة، وأنّ الأمور ستصبح أوضح مع مرور الوقت، وأنّ بعض التحديات لا يمكن السيطرة عليها مسبقاً، بل يتم التعامل معها عندما تحدث.
كيف يتحضّر الأب للأبوة؟
من المهم العمل على مفهوم الحرية، بحسب الترك. فقدوم الطفل، لا يعني أن حرية الأب ستختفي بالكامل، بل ستتخذ شكلاً مختلفاً، وستتغير ولكن لن تزول.
كذلك، يُنصح بأن يحافظ الأب على روتينه اليومي قدر الإمكان، وأن يهتم بنومه قدر الإمكان، وأن ينظّم مواعيده عندما تسمح الظروف، وأن يحرص على التغذية السليمة. فهذه الأساسيات اليومية تسهم كثيراً في الحفاظ على توازنه النفسي والجسدي.
وتضيف الترك أنّ مشاركة الأب منذ البداية في رعاية الطفل، مثل حمله، وتهدئته، وتغيير حفاضه، يخفض مستوى القلق لديه، ويجعله يشعر بأنه جزء أساسي من العلاقة مع الطفل، بدلاً من الشعور بأنّ الأم والطفل يشكلان وحدة منفصلة هو خارجها، ما يخفف لديه الشعور بالغربة ويقلل من التوتر والضغط النفسي.
ومن المهم كذلك الاهتمام بالعلاقة الزوجية، رغم أنّ تطبيق ذلك ليس سهلاً، ويتطلب قدراً كبيراً من الوعي والتواصل بين الزوجين. إذ لا ينبغي أن يكون الاهتمام بالطفل على حساب اهتمام كل من الزوجين بنفسه، أو على حساب علاقتهما ببعضهما البعض. فالحفاظ على العلاقة الزوجية جزء أساسي من استقرار الأسرة.
