هل نُشخّص أنفسنا أكثر من اللازم؟
ميرا يوسف – اختصاصية في المعالجة النفسية
خلال السنوات الماضية، شهدنا تحوّلاً كبيراً في طريقة حديثنا عن الصحة النفسية، سواء عالمياً أو في لبنان. فقد أصبحت المصطلحات النفسية جزءاً من مفرداتنا اليومية. نستخدمها في المقاهي، وفي جلساتنا، وبالطبع على وسائل التواصل الاجتماعي.
من جهة، يُعتبر هذا الأمر تقدّماً حقيقياً. فقد انتقلنا من وصم المعاناة النفسية والعلاج النفسي وطلب المساعدة، إلى تقبّل أكثر وفضولًا اكبر حيال أنفسنا، وقدرة على التعبير عن صعوباتنا ومشاعرنا.
لكن من جهة أخرى، بدأ الوعي يتحوّل إلى تصنيفات. أصبح كل حزن، اكتئاباً. وكل تشتّت، اضطراب انتباه. وكل علاقة صعبة، إساءة نرجسية. وكل حبّ لنظام، وسواساً قهرياً. وأصبحت الصدمة النفسية تفسيراً لكل شيء تقريباً.

واللافت في الموضوع أن انجذابنا إلى التشخيص غالباً ما ينبع من الشيء نفسه الذي نحاول الهروب منه: عدم اليقين. فالإنسان لا يتحمل الغموض بسهولة. نريد تفسيراً لمعاناتنا، ولماذا نتفاعل بالطريقة التي نتفاعل بها، ولماذا تفشل علاقاتنا؟ فتمنحنا التصنيفات شيئاً مغرياً للغاية: شعور باليقين. تقول لنا: “هذا هو السبب”.
لكن النفس البشرية نادراً ما تكون بهذه البساطة. ومن أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعاً الاعتقاد أن وجود أعراض يعني تلقائياً وجود اضطراب نفسي. وهذا غير صحيح.
فالشعور بالقلق لا يعني بالضرورة الإصابة باضطراب القلق. وصعوبة التركيز لا تعني بالضرورة وجود اضطراب في الانتباه. والانفصال العاطفي لا يعني بالضرورة وجود نمط تعلّق تجنبي. هذا التمييز مهم جداً، خصوصاً في لبنان.
نحن نعيش منذ سنوات في ظل انهيار اقتصادي، وعدم استقرار سياسي، وانفجار بيروت، وحروب متكررة، ونزوح، وحالة مزمنة من عدم اليقين حيال المستقبل. وعندما يعيش الإنسان في بيئة غير آمنة أو غير متوقعة أو مليئة بالصدمات، فإن عقله وجسده يتكيّفان. نصبح أكثر يقظةً للخطر. نعاني من صعوبة في التركيز. نشعر بالخدر العاطفي. نختبر القلق، والعصبية، والأرق، واضطرابات الجهاز الهضمي، أو صعوبة في الثقة بالآخرين.
قد تكون هذه التفاعلات مؤلمة، ومعوقة، ومستمرة. لكنها ليست بالضرورة علامات على اضطراب نفسي. أحياناً، تكون علامات على أن جهاز عصبي يحاول بكل طاقته أن ينجو.

وهنا تطلب منا صحتنا النفسية أن نتمهّل. فالعارض النفسي ليس دائماً عدواً يجب التخلص منه. أحياناً يكون رسالة. قد يخبرنا القلق أننا نعيش في وضعية النجاة منذ وقت طويل. وقد يخبرنا الخدر العاطفي أن النفس أُنهكت إلى درجة جعلتها تُغلق بعض المشاعر لتحمينا. وقد تكون صعوبة التركيز نتيجة ضغط مزمن، أو حزن، أو إرهاق، أو بيئة لا تسمح لنا بالشعور بالأمان الكافي لنرتاح.
هذا لا يعني أن الاضطرابات النفسية غير موجودة، فهي موجودة فعلًا. كما لا يعني أن التشخيص غير مهم. فهو يساعد في توجيه العلاج، وتسهيل التواصل بين المختصين، وأحياناً يمنح المريض شعوراً بالفهم والراحة.
فالتشخيص قد يخبرنا إلى أي فئة تنتمي أعراضنا، لكنه لا يستطيع أن يخبرنا لماذا ظهرت هذه الأعراض لدى هذا الشخص تحديداً، وفي هذا الوقت تحديداً، وضمن هذه القصة الحياتية تحديداً. وربما هذا ما نفتقده اليوم في حديثنا عن الصحة النفسية.
لقد أصبحنا نتقن اللغة النفسية، لكننا لا نتقن دائماً التفكير النفسي. والتفكير النفسي يتطلّب فضولاً قبل اليقين، وقدرة على تحمّل الغموض. لأن الهدف من الصحة النفسية لم يكن يوماً جمع التصنيفات. بل فهم أنفسنا بصورة أعمق.
ولعلّ السؤال الأهم اليوم هو: “ماذا يحاول عقلي، وجسدي، أن يخبراني؟”.
