هل سوريا ممر رئيسي جاذب لنفط المنطقة العربية؟
لا تشكل المخاوف الأمنية سوى جزء من التحدي الذي يواجه إحياء خطوط نفط تمر عبر سوريا. فالعائق الأكبر قد يكون اقتصادياً. ويفترض أن منتجي الخليج حرصاء على إعادة توجيه الصادرات نحو أوروبا. غير أن مركز الطلب العالمي على الطاقة يميل بتزايد نحو آسيا. تظل الهند والصين واليابان وكوريا الجنوبية وجنوب شرق آسيا الأسواق الرئيسية لنمو النفط والغاز الخليجي. يعدّ ذكر المنتجين هناك حافزاً قوياً لإعطاء الأولوية لطرق التصدير التي تخدم الأسواق الشرقية على حساب الغربية. تعزّز هذه الحقيقة جاذبية البدائل التي تتجاوز مضيق هرمز من دون عبور سوريا.
تمتلك العربية السعودية بالفعل سعة خطوط أنابيب تربط منشآت الإنتاج الخليجية بموانئ البحر الأحمر، بينما توفّر الإمارات وعُمان طرق تصدير إلى خليج عُمان والبحر العربي. بالنسبة إلى معظم المنتجين، توفّر هذه الخيارات وصولاً إلى الأسواق الآسيوية مع تجنّب العديد من المخاطر في سوريا. وهناك استثناءات، إذ لا يزال إقليم كردستان العراق محصوراً جغرافياً بين تركيا وإيران وبغداد. يجعل ذلك الوصول إلى البحر المتوسط عبر سوريا ذا قيمة محتملة. وقد تُظهر قطر أيضاً اهتماماً متجدداً بالطرق البرية الآن رغم أن خط أنابيب بين قطر وتركيا سيكون مكلفاً للغاية ومعقّداً سياسياً. فالمبررات الإستراتيجية لتنويع مسارات التصدير، بعيداً من الممرات التقليدية، أصبحت أقوى مما كانت قبل الصراع، لا سيما إذا نجحت الدوحة في تعزيز حضورها في أسواق الغاز الأوروبية. مع ذلك، تظل الحقيقة الإقليمية الأوسع نطاقاً من دون تغيير، إذ تقع الأسواق الرئيسية للهيدروكربونات الخليجية في الشرق، وليس في الغرب، مما يحد من جاذبية سوريا كممر رئيسي.
ما التحدي الذي تواجهه واشنطن؟ إن إدارة ترامب ومجموعات رجال الأعمال الأميركيين من أصل سوري محقون في رؤية فرصة إستراتيجية في سوريا. تستند رؤيتهم الأوسع إلى مفاهيم مرتبطة بـ”مبادرة البحار الأربعة”. وهو اقتراح حديث لربط الخليج الفارسي وبحر قزوين والبحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود من خلال شبكات بنية تحتية مترابطة. وإذا تم تنفيذها فإن مثل هذه المشاريع يمكن أن تنوّع طرق نقل الطاقة وتقلل من النفوذ الجيوسياسي لـ إيران. ولكن قبل أن يلتزم المستثمرون ضخ مليارات الدولارات في الأنابيب، يجب أن تُصبح سوريا مكاناً أكثر استقراراً لممارسة الأعمال التجارية. يمكن واشنطن أن تساعد في ذلك من خلال الحد من فئات عدة من المخاطر. الأولى سياسية.
فعلى إدارة ترامب أن تبني على “آلية التواصل” التي توسطت فيها الولايات المتحدة، وأُنشئت بين سوريا وإسرائيل في باريس في كانون الثاني الماضي، وتوسيعها لتُصبح إطاراً أرحب للانسحاب على طول حدود الجولان. قد يُقلّل ذلك من التوترات ويهيئ الظروف لمفاوضات سلام في نهاية المطاف، ويساعد في الوقت نفسه على تهدئة مخاوف مستثمري الطاقة. على واشنطن مواصلة تشجيع حكومة الشرع على توسيع المشاركة السياسية بحيث تشمل ربع سكان سوريا، وهم المسيحيون والدروز والأكراد والعلويون، وإشراكهم هو مسألة استقرار وحقوق إنسان.
الفئة الثانية من المخاطر هي الأمنية. على الولايات المتحدة العمل مع سوريا وتركيا والأردن والعراق وإسرائيل وشركاء الخليج لتحسين الأمن على طول ممرات الطاقة المحتملة. وسيكون تبادل المعلومات الاستخبارية ومكافحة الإرهاب وحماية البنية التحتية أموراً ضرورية إذا أُريد للمشاريع الكبرى لخطوط الأنابيب أن تمضي قدماً. وبما أن واشنطن سحبت قواتها من سوريا فستحتاج إلى معالجة الدول المجاورة لهذه المسألة.
أما الفئة الثالثة من المخاطر فهي التنظيم والحوكمة. لا تزال سوريا تعاني ضعف المؤسسات وممارسات الأعمال غير الشفافة والفساد المتفشي. لم تُسهم الخلافات الأخيرة داخل شركة النفط السورية بين الرئيسي التنفيذي يوسف قبلاوي ومجلس الإدارة بقيادة وزير الطاقة محمد البشير في طمأنة المستثمرين. تتطلّب شركات النفط الدولية عقوداً شفافة، ولوائح يمكن التنبؤ بها، وحماية قانونية قابلة للتنفيذ قبل التزام رساميل كبيرة.
قد يتبيّن في النهاية أن تحسين الحوكمة أكثر أهمية من بناء خطوط الأنابيب نفسها. لا يزال تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب يمثّل أقوى أوراق النفوذ المتبقية بيد واشنطن في هذه الملفات. لذا على إدارة ترامب أن تنظر في تقديم مسار واضح وتدريجي نحو رفع هذا التصنيف إذا أحرزت دمشق تقدماً ملموساً في مجال الشراكة السياسية والتعاون الأمني والإصلاح الاقتصادي. من شأن هذا النهج إعطاء دمشق حافزاً قوياً للتحرّك مع الحفاظ على النفوذ الأميركي على مسار سوريا.
في اختصار، على واشنطن ودمشق والجهات الفاعلة الأخرى ذات الصلة بمستقبل الطاقة في سوريا أن تضع في حسابها أن الجغرافيا وحدها لا تأتي بالاستثمار. نعم، تقع سوريا على مفترق طرق بين مناطق عدة وتمتلك إمكانات حقيقية لتكون مركزاً لنقل الطاقة في المستقبل. ولكن على مدى أكثر من سبعين عاماً وقعت خطوط الأنابيب العابرة سوريا مرات كثيرة ضحية الحرب وعدم الاستقرار السياسي والتنافس الإقليمي والتخريب.
تقدّم مرحلة ما بعد الأسد فرصة لتغيير هذا التاريخ. فإذا تمكنت دمشق من الحد من المخاطر التي عانتها المشاريع السابقة فقد تبرز سوريا فعلاً جزءاً من حل أوسع للمخاطر التي كشف عنها إغلاق مضيق هرمز. وإذا لم يحصل ذلك فسيبحث المستثمرون عن بدائل أكثر أماناً.
