العلوم والتكنولوجيا

لماذا تبقى العلاقة بالدولة ملتبسةً في لبنان

0 0
Read Time:6 Minute, 24 Second

الأب صلاح أبوجوده اليسوعي

“شعب لا يعي وحدته لا يكوِّن دولة” (هيغل).
من دون إغفال الديناميّات الاجتماعيّة الداخليّة والتحوّلات الجيوسياسيّة الخاصّة بكلّ دولة، غالبًا ما يُشار، في تحليل علاقات الشعوب المتوتّرة بالدولة والقانون في الشرق الأوسط، إلى إرثَين تاريخيَّين كبيرَين هما الإرث العثمانيّ والإرث الاستعماريّ.

 

فمن جهة، قام نظام الإمبراطوريّة العثمانيّة السياسيّ والقانونيّ على تعدديّة معياريّة تميّزت بتعايش الشريعة الإسلاميّة وقانون الإمبراطوريّة الوضعيّ ونظام الملل.

 

فهذا الواقع ولّد علاقة غامضة مع الشرعيّة وشجّع على عدم احترامها بسبب صراع هيكليّ بين “شرعيّات” و”معايير” متعدّدة داخل المجتمع. كما وأنّ اعتماد مصدر تشريعيّ إلهيّ الطابع، اتّخذ صفة مطلقة، وفاق الآليّات التشريعيّة أهميّة ونفوذًا، خلق ثنائيّة قانونيّة أضعفت إمكانيّة قيام عقد اجتماعيّ متين، وأثّر سلبًا على سلطة الدولة. ولا عجب أن تكون رعايا الإمبراطوريّة قد لجأت إزاء هذا الواقع إلى اعتماد استراتيجيّات التهرّب من القوانين تبعًا لمصالحها الشخصيّة. كما أنّ التجاذب “الأخلاقيّ” الذي نتج من لزوم الطاعة المدنيّة والولاء الدينيّ، شجّع الأفراد على نزع الشرعيّة عن القانون الوضعيّ الذي نُظر إليه على أنّه قيد مُصطنع، الأمر الذي أضعف من قوّته الملزمة وطابعه الشموليّ. إضافة إلى ذلك، فإنّ تشريع الانتماءات الطائفيّة، حال دون بروز مواطنة موحّدة بمعنى اللفظة الحديث. ولا شكّ في أنّ تأصّل هذه الخلفيّة في المجتمع لم يسمح بنجاح التنظيمات، ولا سيّما تطبيق قانون الجنسيّة والمواطنة الذي هدف إلى تحويل الرعايا إلى مواطنين متساوين أمام القانون بصرف النظر عن دينهم أو عرقهم.

 

ومن جهة ثانية، أسهمت الحقبة الاستعماريّة غالبًا في ترسيخ النظرة إلى الدولة الحديثة بوصفها بنية دخيلة جزئيًّا على العالم العربيّ، نشأت بتأثير القوى المستعمرة، وعجزت عن التأصّل في الواقع الاجتماعيّ المحليّ.

 

وفي حالات كثيرة، تحوّلت أجهزة الدولة إلى أدوات بيد النخب الحاكمة تُسخّرها لمصالحها الخاصّة.

وفي هذا السياق، سبق لعالم الاجتماع السياسيّ سامي زبيدة أن أوضح أنّه قد أعقب تأسيس الدول الوطنيّة من قبل الاستعمار صياغة دساتير مطابقة إلى حدّ بعيد دساتير الدول الوطنيّة الحديثة الأوروبيّة التي تشدّد على مبادىء ثابتة، أهمّها سيادة الشعب بصفته أمّة، في دولة مؤسّسة على المواطنين بصفتهم أفرادًا مستقلّين، إضافة، بالطبع، إلى المؤسّسات التمثيليّة وتحديد حقوق المواطنين وواجباتهم من دون أيّ تمييز أو استثناءات، ونظام قانونيّ يضمن المساواة الكاملة.

 

وفي حين أنّ تطبيق هذا النموذج قد واجه مصاعب وتحديات خاصّة بكلّ بلد، فمن الملاحظ عمومًا أنّ الخطاب الرسميّ في تلك الدول الحديثة الذي روّج لأفكار الدولة الوطنيّة وقيمها، اصطدم، من جهة، بتحدّيات الخطاب الإسلاميّ، ومن جهة ثانية، وبمفارقة لافتة، تمّ تطبيق سياسات بعيدة كلّ البعد عن مبادىء الدساتير، حتّى إلغاء تلك المبادىء إلغاء كاملاً. وأخيرًا، فإنّ الأنظمة العسكريّة التي توالت على الحكم بعد الاستقلال في عدد من الدول العربيّة، وبالرغم من برامج التحديث والتنمية والإصلاح التي نادت بها، فإنّها أبقت على أنظمة حكم مركزيّة واستبداديّة، حوّلت المؤسّسات التمثيليّة إلى مجرّد مؤسّسات شكليّة وأعاقت قيام أنظمة سياسيّة تعدديّة.

 

في لبنان، تتجلّى هذه الديناميّات التاريخيّة بطريقة خاصّة. ذلك أنّ ثمّة ممارسات موروثة مثل تطبيق القوانين على نحوٍ متفاوت، وانتشار الممارسات الزبائنيّة، والإفلات السياسيّ من العقاب، ودور “الواسطة” المركزيّ في الحصول على الحقوق والوظائف وإتمام الإجراءات الإداريّة، تُثير علاقة بالدولة بالغة الالتباس. فسلطة الدولة لا تُعدّ في الغالب ضامنة للمصلحة العامّة، بل فسحة تفاوض رخيص ووساطة وصراع على النفوذ. وفي مثل هذا السياق، لا يبدو التحايل على القوانين مجرّد انتهاك بسيط، بل هو ضرب من ضروب “الشطارة” كما يسمّيه جورج قرم.

 

لذا، فإنّ النقاشات والمجادلات التي جرت وتجري بشأن طاعة القانون وسلطة الدولة، تعود إلى إشكاليّة قديمة متأصّلة في الحياة السياسيّة اللبنانيّة، لا يمكن فهمها بمعزل عن الإطار التاريخيّ والسياسيّ الإشكاليّ الذي أرسى أسس توليد شرعيّة الدولة في لبنان. وعلى نطاق أوسع، تُعيد تلك المجادلات إلى التمثّلات الاجتماعيّة للدولة ذاتها أو إلى الطريقة التي يُفهم من خلالها دور الدولة الذي يبقى محطّ رفض وقبول وتفاسير متناقضة. 

 

يمكن بعض مقاربات علم الاجتماع للقانون، ولا سيّما نظريّة “القانون الحيّ” (living law) التي طوّرها عالم الاجتماع والقانون النمساويّ يوجين إيرليش، أن تساعد على التعمّق في فهم الإشكاليّة المحليّة. فدولة القانون التي يصفها الدستور تعني، في الوقت عينه، توفّر قواعد تنظّم الحياة العامّة، ودور القانون الوضعيّ بوصفه المرجع المميّز للتنظيم الاجتماعيّ والاقتصاديّ والسياسيّ. غير أنّ هذا القانون يُواجَه بمصادر شرعيّة أخرى يمكن أن تنافسه، ولا سيّما الطائفيّة في الإطار اللبنانيّ.

 

وفي الواقع، تُبيّن نظريّة “القانون الحيّ” أنّ مركز ثقل القانون الحقيقيّ لا يكمن في النصوص التشريعيّة وحدها، بل في الممارسات الاجتماعيّة أيضًا. ذلك أنّ المجتمع ينظّم حياته اليوميّة وفقًا لمنظومة معايير لا تصدر حصرًا عن الدولة، بل عن الجماعات التي تكوّن المجتمع، والتي لها تقاليدها وعاداتها المهنيّة. أمّا القانون الوضعيّ في هذه الحالة، فهو لا يأتي من خلفيّة خارجيّة، بل يُعبِّر عن اعتراف بمعايير قائمة أو يقنّنها أو يصحّحها.

 

من هذا المنظور، تضطّلع الثقافة المشتركة بوظائف أساسيّة في بناء النظام القانونيّ والاجتماعيّ. فهي تُسهِّل فهم السلوكيّات، وبالتالي تحديد ما هو مقبول ومشروع وما هو مرفوض، وتقليل ضرورة اللجوء إلى إكراه السلطة لفرض القانون. وبكلام آخر، تمنح الثقافة المشتركة القانونَ شرعيّة اجتماعيّة متينة، بمقدار ما تبدو المعايير القانونيّة تعبيرًا عن قيم راسخة في الممارسات الاجتماعيّة. وعلى خلاف ذلك، يبقى القانون الغريب عن التمثّلات الاجتماعيّة غير مقبول وعرضة لتطبيق إمّا هزيل وإمّا عنيف.

 

ومن البديهيّ أن يصبح سنّ القوانين وتطبيقها صعبًا في ظلّ مجتمع غير متجانس ثقافيًّا، إذ إنّ إضفاء شرعيّة متينة للقواعد يجب أن يجد إطارًا يُرسي أسس ثقافة مشتركة. وفي هذه الحالة، تبرز أهميّة الليبراليّة الديموقراطيّة التي تنشر ثمّة ثقافة تجعل أن يقوم قبول القانون على إجراء مشروع أكثر منه على خلفيّات ثقافيّة سابقة. وفي الواقع، تميل شرعيّة السلطة في المجتمعات الحديثة إلى الارتكاز على شكل من أشكال السيطرة العقلانيّة القانونيّة المبنيّة، لا على تقاليد دينيّة أو اجتماعيّة مشتركة، بل على إجراءات مؤسّساتيّة تُعدّ منتظمة وخاضعة للقانون. ووفق هذا المنظور، يتمّ الامتثال للقانون على أساس الاعتراف بصحّة القواعد والآليّات التي تُشرف على صياغته وتطبيقه.

 

ويكمن في أساس هذا المنطق مقاربة تولي الأولويّة لمبادئ العدالة والحريّة والمساواة في ظلّ مجتمعات تتقاطعها رؤى أخلاقيّة أو دينيّة متناقضة. وبالطبع، تفترض هذه المقاربة حكمًا حياد الدولة الإيجابيّ، أي حياد يضمن حريّة الضمير والحريّة الدينيّة وحريّة التعبير وباقي الحريّات المشروعة، وإمكان مساهمة جميع مكوّنات المجتمع في الشأن العامّ بطريقة بنّاءة وسلميّة.

 

في ضوء ما تقدّم، يبرز المأزق اللبنانيّ. ذلك أنّ الميثاق الوطنيّ الذي هو عماد الدولة الفلسفيّ، يرتكز على تقاسم السلطة على أساس طائفيّ يُبقي على تركيبة فسيفسائيّة للمجتمع. ففي مثل هذا السياق، لا تُهيئ الخلفيّة الطائفيّة المشحونة بتاريخ سلبيّ يولّد الحذر بل والخوف المتبادل، الأرضيّة المطلوبة لنشوء أسس ثقافيّة قويّة مشتركة تُعزّز دور الدولة التكامليّ بحسب مفهوم إيرليش، ولا ترسّخ قواعد الديموقراطيّة الليبراليّة التي يتضمّنها الدستور. لذا، لا غرابة أن تستمرّ العلاقة الملتبسة بالدولة، وأن يتواصل التفسير الخلافيّ لطبيعة الدولة وميثاقها.

 

ليس ثمّة مخرج من هذا المأزق إلاّ بوضع رؤية وطنيّة تهدف إلى العبور إلى الديموقراطيّة الليبراليّة من خلال تجاوز تدريجيّ للخلفيّة الطائفيّة.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *