الدروز وانتخابات إسرائيل: بين السويداء وقوانين التمييز وأسرلة الجولان
يسري خيزران
أستاذ محاضر في دراسات الشرق الأوسط بكلية شاليم، وباحث في معهد هاري ترومان بالجامعة العبرية، ومتخصص في التاريخ السياسي والثقافي للمشرق العربي.
كشفت الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة عن تداخل الخوف على مصير الدروز في السويداء مع الهموم الداخلية للناخبين الدروز في إسرائيل. وبينما حاول معسكر بنيامين نتنياهو استثمار التدخل الإسرائيلي في السويداء لكسب تأييدهم، بقيت قوانين التمييز وقضايا الأرض والبناء حاضرة في خياراتهم الانتخابية. وأظهرت النتائج استمرار تصويت الغالبية للأحزاب الصهيونية، من دون أن يترجم ذلك إلى تأييد موحّد لنتنياهو.
منذ سبعينيات القرن الماضي، واظب المواطنون الدروز في إسرائيل على التصويت للأحزاب الصهيونية، امتداداً لعلاقتهم التحالفية مع دولة إسرائيل وانخراطهم في الخدمة العسكرية، رغم أن القرى الدرزية عانت من مصادرة الأراضي خلال فترة الحكم العسكري بين عامَي 1949 و1969، ورغم أنها لا تزال تواجه المشكلات نفسها التي تعاني منها الأقلية العربية في إسرائيل، وفي مقدمتها أزمة البناء غير المرخص، والنقص في الخرائط الهيكلية، والتمييز الصارخ في الميزانيات المخصصة للسلطات المحلية.
وعلى الرغم من ذلك، دأب السواد الأعظم من الناخبين الدروز على التصويت للأحزاب الصهيونية. لكن منذ إقرار قانون القومية، اتجه الناخبون الدروز عموماً نحو الأحزاب الصهيونية المناهضة لنتنياهو. وبين عامَي 2018 و2022، مالت الكفة إلى الأحزاب المعروفة باسم “كتلة التغيير”.
وتُظهر الدراسات أن توزيع أصوات الناخبين الدروز بين الأحزاب الصهيونية يرتبط أيضاً باعتبارات مصلحية وحمائلية، وبوجود مرشحين دروز في مواقع مضمونة على قوائم الأحزاب.
View this post on Instagram
بين السويداء والهموم الداخلية
في ظل هذه المعطيات، خاض الدروز انتخابات مفصلية تداخلت فيها عوامل خارجية مع حساباتهم الداخلية، وفي مقدمتها الخوف على الأهل في السويداء، والخشية من أن يؤدي تبدّل السلطة في إسرائيل ورحيل نتنياهو إلى تغيير جذري في السياسة الإسرائيلية تجاه سوريا عموماً، وتجاه الدروز تحديداً.
وحاول المعسكر المؤيد لنتنياهو توظيف قضية دروز سوريا والتدخل الإسرائيلي خلال مقتلة السويداء، التي وقعت في تموز/يوليو 2025، لحشد المؤيدين لحزب الليكود، لا سيما أن الحزب ضمّ مرشحاً درزياً إلى قائمته، وإن لم يكن في موقع مضمون.
في المقابل، شدّد المعسكر المناهض لنتنياهو على القضايا الداخلية، ولا سيما أن حكومة نتنياهو هي التي جاءت بقانون القومية وقانون كامينتس، الذي أثقل كاهل الدروز بالغرامات المالية منذ إقراره عام 2017، بدعوى البناء غير المرخص.
وضمّ هذا المعسكر مرشحين درزيين في مواقع مضمونة، أولهما عضو الكنيست حمد عمّار، المرشح على قائمة ليبرمان، والذي وُعد بتولي منصب وزير الأمن الداخلي، وثانيهما الجنرال المتقاعد كميل أبو ركن، المرشح على قائمة حزب “يشار” بزعامة غادي آيزنكوت. والأخير، إلى جانب ماضيه العسكري، ينتمي إلى إحدى العائلات الدرزية القيادية التي ارتبطت بالمشروع الصهيوني منذ ثلاثينيات القرن الماضي.
وبدا أن الخوف على مصير السويداء يناطح الهموم الداخلية، خصوصاً بعدما كشف نتنياهو، خلال زيارته الأخيرة لبلدة يركا في الشمال، عن المكالمة القصيرة التي جرت بينه وبين رئيس النظام الجديد في سوريا، أحمد الشرع.
ومع أن الخوف على السويداء دفع كثيرين من الدروز نحو نتنياهو، فإن نتائج الانتخابات لم تُظهر انحيازاً جماعياً إلى الليكود بين الناخبين الدروز، الذين يبلغ عدد أصحاب حق الاقتراع منهم 81,200 ناخب. فقد بقي قانون القومية وقانون كامينتس، إلى جانب هبّة الاحتجاج الأخيرة التي عُرفت باسم “احتجاجات المراوح الهوائية”، حاضرة في ذاكرة المواطنين الدروز.

نتائج التصويت ومسار الأسرلة في الجولان
هناك أمران يستدعيان الوقوف عندهما في نتائج الانتخابات الأخيرة. أولهما أن حصة الأسد من أصوات الدروز ذهبت إلى ثلاثة أحزاب صهيونية، هي “يشار” بقيادة آيزنكوت، و”إسرائيل بيتنا” بقيادة ليبرمان، والليكود بقيادة نتنياهو.
واستناداً إلى بيانات التصويت المفصلة في 11 بلدة درزية شملها الفحص، تصدّر حزب “يشار” النتائج بحصوله على 17,024 صوتاً، بنسبة 40.4%، يليه حزب “إسرائيل بيتنا” بحصوله على 10,139 صوتاً، بنسبة 24.1%، بينما حلّ الليكود ثالثاً بحصوله على 6,945 صوتاً، بنسبة 16.5%.
أما الأمر الثاني، وهو الأبرز في المشهد الانتخابي الدرزي، فيتمثل في المشاركة الملحوظة لدروز الجولان في الانتخابات، على نحو غير مسبوق منذ عام 1967، وتصويتهم للأحزاب الصهيونية.
ففي الانتخابات الأخيرة، سُجّل نحو 8,100 ناخب في القرى الأربع بالجولان، مقارنة بنحو 2,750 ناخباً في الانتخابات السابقة. وتشير البيانات إلى زيادة حادة في عدد السكان الذين حصلوا على الجنسية الإسرائيلية.
وتصدّر حزب “إسرائيل بيتنا” قائمة الأحزاب التي حظيت بأصوات الناخبين الدروز في الجولان، تلاه حزب “يشار” بزعامة آيزنكوت، فيما حلّ الليكود ثالثاً. وبذلك، جاء تصويت الدروز في الجولان مطابقاً في توجهه العام لتصويت نظرائهم في الجليل والكرمل، إذ توزعت أصواتهم بين الأحزاب الصهيونية.
وغني عن القول إن مقتلة السويداء، في أعقاب سقوط النظام، حسمت خيارات الدروز في الجولان باتجاه اكتساب الجنسية الإسرائيلية، وكانت المشاركة في الانتخابات خطوة إضافية متوقعة على طريق “الأسرلة الزاحفة” في صفوف دروز الجولان.
ويبدو أن مقتلة السويداء أقنعت الدروز في الجليل والكرمل والجولان بأن الأسرلة توفر حماية وجودية، وإن لم يكن جميعهم تحت عباءة نتنياهو.
