هل يدرك الحرس الثوري أنه يحيل مضيق هرمز إلى مسطح مائي عادي؟
أبحرت سفينة الحاويات الكورية الجنوبية “بان ستارأكرو”، السبت 22 آب/ أغسطس الماضي، في أول رحلة تجريبية من نوعها إلى أوروبا عبر ممر القطب الشمالي، في خطوة تهدف إلى تقييم الجدوى التجارية لهذا المسار. وبحسب وزارة المحيطات والثروة السمكية في كوريا الجنوبية، السفينة التي غادرت ميناء بوسان جنوب شرقي البلاد من المتوقع أن تعبر مياه القطب الشمالي في 7 أيلول/ سبتمبر الجاري.
تأتي خطوة الإبحار التجريبية هذه كبديل محتمل في ظلّ استمرار التوتر على ضفاف مضيق هرمز، بين الولايات المتحدة التي لم يزل ينفذ جيشها ضربات جوية على مواقع للحرس الثوري في إيران. واللافت فيه أنه مطلب الحليفة موسكو التي لها إطلالة عبر الممر الشمالي المحاذي للسواحل الروسية. فبصريح العبارة، لا إبحار إلا عبر روسيا المعاقبة أوروبياً، ما يعني ورقة رابحة في يد موسكو لإنشاء البديل عن هرمز، ما قد يدفع موسكو الى تشجيع التوتر في هرمز لما في ذلك من مكسب جديد لأوروبا.
في ظلّ هذه “المعمعة” العسكرية التي لا يبدو أن هناك أفقاً لنهايتها، لم يعد المهم التساؤل حول التوقيت الذي سيعاد فيه المضيق إلى حركته الطبيعية بعيداً عن حالة التوتر، بقدر ما بات الأمر مرتبطاً بفاعلية البدائل المطروحة لهذا المضيق، أو حتى بجدوى تلك البدائل في ظلّ صراعات دولية انتقلت من مصادر الطاقة إلى ممراتها الآمنة.
لم يزل مضيق هرمز مغلقاً أمام حركات الشحن الدولية. فبحسب التقديرات الصادرة عن المنظمة البحرية الدولية (IMO) في تقريرها الصادر نهاية شهر آب 2026 من أن نحو 400 سفينة على متنها قرابة 6 آلاف بحار ما زالت عالقة وعاجزة عن الخروج بأمان من مياه الخليج نتيجة العمليات العسكرية وفرض إغلاق مضيق هرمز.
أزمة المضيق دفعت كلّاً من الإمارات المتحدة والمملكة العربية السعودية إلى تفعيل الطرائق البديلة، من أجل تقليل الاعتماد على مضيقي هرمز وباب المندب اللذين يقعان تحت سلطة الحرس الثوري الإيراني، إن كان بالمباشر كما هي حال مضيق هرمز، أم غير مباشر عبر حركة الحوثيين في اليمن.
وسط تعقيدات المشهد، في ظلّ استمرار تبادل الضربات بين واشنطن والحرس الثوري، ذهبت الرياض إلى اعتماد سلاح استراتيجي يتمثل في الاعتماد على خطّ أنابيب شرق – غرب (Petroline)، الذي ينقل النفط من مناطق الإنتاج والمعالجة في شرق المملكة إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.
كما السعودية كذلك دولة الإمارات التي لديها ميزة جغرافية مهمة تتمثل في خطّ حبشان – الفجيرة (ADCOP)، الذي ينقل النفط من حقول أبوظبي عبر اراضي الإمارات إلى ميناء الفجيرة على خليج عمان، فيخرج إلى المحيط الهندي من دون المرور بمضيق هرمز.
تعيد حالة التوتر على ضفاف مضيق هرمز ترتيب الممرات لصالح الممر الهندي على حساب الطريق والحزام، إذ يعدّ مضيق هرمز شريان حياة أساسيًا لاقتصاد الصين، نظرًا لاعتماد بكين الكبير على واردات الطاقة القادمة من منطقة الخليج وإيران على حدّ سواء. هذا ما يفسّر التعمد الأميركي المتكرّر لتنفيذ الضربات على موانئ إيرانية من أجل زعزعة الثقة في هذا المضيق، وتسريع الخطوات لكل من المملكة العربية ودولة الإمارات لإيجاد ممرات مائية بعيدة عن تحرشات الحرس الثوري الإيراني، كمشروع قناة الملك سلمان المائية التي طرحت كفكرة في عام 2015، ومن الممكن تحويلها إلى مشروع بديل عن هرمز.
ينطلق الحرس الثوري الإيراني من “قناعة حق الدفاع” والردّ على الاعتداءات الأميركية، ولكنه يخطئ في حساباته التي تزيد من عزلة بلاده، في الوقت التي ذهبت فيه دول الجوار إلى البدائل؛ لهذا بدأ يشعر المتابع بأن الجولات الأميركية من تنفيذ الضربات المتقطعة على إيران تهدف إلى إطالة أمد التوتر على مضيق هرمز من أجل تحويله لاحقاً إلى مجرد مسطح مالي لا قيمه له في أمن الطاقة بعدما تتمّ تهيئة الظروف المناسبة للممر الهندي على حساب الطريق والحزام الصيني، ويفتح العالم على بدائل جديدة تتحول فيها إيران من لاعب مركزي في أمن الطاقة إلى دولة مارقة؟
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة “النهار” الإعلامية
