التحضير المحموم لانتهاء ولاية “اليونيفيل” ودعم الجيش اللبناني
لزيارة السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى إسرائيل ولقائه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو دلالاتها الكبيرة لجهة التصرف من خارج التقليد أو المعهود، والانخراط علنا وشخصيا في جهود إنقاذ مسار التفاوض الإسرائيلي – اللبناني من مخاطر الغرق في جمود تفرضه جملة تطورات، ليس أقلها الانتخابات الإسرائيلية، فضلاً عن أهمية الفصل بين المسار اللبناني ومسار التصعيد المتجدد بين الولايات المتحدة وإيران.
فالتحدي الراهن ليس في إنقاذ اتفاق الإطار فحسب بل في حراجة التوقيت في ملفات باتت مرتبطة بتطورات الاتفاق ومطروحة على طاولة البحث بقوة، وأحدها مؤتمر دعم الجيش اللبناني المفترض في فرنسا منتصف هذا الشهر، والمتّسم بأهمية بالغة على مستويات متعددة، رغم التساؤلات التي يثيرها عن مدى انخراط أميركي كان ممكنا الإعلان عنه أو ضمان حصوله إبان زيارة الرئيس جوزف عون للبيت الأبيض، إذ كانت منتظرة نتائج مماثلة في ظل تعويل كبير على اقتناص اللحظة المناسبة مع إدارة أميركية ملتزمة دعم لبنان راهنا لجهة وضع آلية تضمن دعم الجيش اللبناني لسنوات مقبلة، فيما قد يتراجع ذلك بعد حين، باعتبار أنه في ضوء نتائج الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة قد تكون هناك صعوبة لضمان ذلك من الكونغرس الأميركي إذا خسر الجمهوريون أحد المجلسين.
وهنا يعطي مطلعون نموذجا عن ضمان الأردن، المنخرط راهنا إلى جانب فرنسا في مؤتمر دعم الجيش، دعما من إدارة الرئيس السابق جو بايدن بـ12 مليار دولار مدى سبع سنوات، استباقا لتغييرات في الإدارة الأميركية قد لا تتيح ذلك. وهذا ما يثير تساؤلات عن مدى الدعم الأميركي للبنان وعدم ارتباطه بشروط مضمونة تحصل على الأرض. والأمر نفسه ينسحب على المملكة العربية السعودية، علما أن الاعتماد الأكبر هو على دعمها ومشاركتها فرنسا في رعاية المؤتمر، ولا سيما في ضوء الزيارة المهمة لولي العهد السعودي محمد بن سلمان لفرنسا أخيرا والبيان المشترك الذي ذكر لبنان لجهة “التزام دعم القوات المسلحة اللبنانية والقوى الأمنية بهدف تمكينها من القيام بمسؤولياتها الوطنية بشكل كامل”. كذلك شدد على أهمية “التنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن 1701، وضرورة استكمال نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة، وانسحاب إسرائيل من لبنان”.
أما الاعتبار الآخر فمرتبط بالتحضير المحموم لانتهاء مهمة القوة الدولية العاملة في الجنوب نهاية السنة الجارية. ويمكن فهم دقة هذه المرحلة عبر تأكيد الأميركيين استمرار انخراطهم في تحقيق تقدم على المسار اللبناني – الإسرائيلي وفي تحرك أوروبي وإقليمي لمساعدة لبنان ومواكبته من أجل تخطي تحدي الأشهر المقبلة، والتقاط التوقيت لإضعاف إيران أكثر في لبنان وتقوية أوراق الدولة اللبنانية، على خلفية الرسائل المتجددة من رئيس الجمهورية جوزف عون من اليونان، تزامنا مع توقيع اتفاقات مهمة بينها وبين إسرائيل.
هذه الرسائل ركزت أولا على إنهاء حال العداء مع إسرائيل، ثم برز قوله “أوْلينا قوانا المسلّحة الرسمية مهمة إنقاذ لبنان من أزمتيْه المترابطتيْن المزمنتيْن: أزمةُ وجودِ احتلالٍ على أرضنا، وأزمةُ وجودِ سلاحٍ خارج سلطة دولتنا. وهو ما استمرّ طوال عقود. حتى قَرَرْنا اليوم أن الحل الوحيد الممكن، هو بمعالجة المشكلتين بالتلازم والتزامن والتوازي: انسحابٌ كاملٌ للاحتلال، وسيطرةٌ كاملة لقوانا المسلّحة وحدها على كل أرضنا”.
في هذه اللحظة، وما لم يحصل لبنان الرسمي على مقابل من إسرائيل، فإن الدولة ستفقد الدور الذي تحاول أن تستعيده في الوقت الذي لا تقتصر المخاطر على هذا الشق الكبير والمهم من الأزمة، نظرا إلى ارتباط الشق الاجتماعي به، وكذلك الشق الاقتصادي المتعلق بالإعمار وإعادة الناس إلى أرضهم وعدم تمكن لبنان من الحصول على أيّ دعم أو استثمار في ظل الواقع الراهن.
هذا المشهد يدفع مراقبين ديبلوماسيين إلى الخشية من انفجار اجتماعي خطير يخفيه اليوم تسليط الضوء على الحرب المباشرة، فيما تتلكأ الدولة وتعجز على مستويات عدة تبدأ بأدائها الذي يُكرّس مافيات الانهيار المالي وعدم تحمل مسؤوليتها إزاء المودعين والتنصل منها، علما أنها مسؤولة عن الكارثة التي ألمّت بهم، وهو ما يزيد التساؤلات عن قدرتها على تحمل أعباء حرب لم تكن مسؤولة عنها في الدرجة الأولى، وهي مرغمة على تحمل تداعياتها.
[email protected]
