العلوم والتكنولوجيا

أطفالنا والذكاء الاصطناعي… كيف يُغيّر التكنولوجيا والتعلّم في المدارس؟

0 0
Read Time:3 Minute, 25 Second

ليال غدار*

 

مع العودة إلى المدرسة، لم يعد تجهيز الطفل يقتصر على الكتب والدفاتر والأقلام. هناك اليوم “أداة” جديدة حاضرة في حياة الطلاب: الذكاء الاصطناعي. يستطيع الطفل أن يلتقط صورة لمسألة رياضيات، فيحصل على الحل خلال ثوانٍ، أو يطلب تلخيص درس كامل، أو كتابة موضوع التعبير بدلاً منه. وهنا يظهر السؤال الذي يشغل الأهل والمدارس: هل تساعد هذه التكنولوجيا أطفالنا على التعلّم فعلاً، أم أنها تجعل الحصول على الإجابات أسهل فقط؟

 

الجواب يعتمد على طريقة الاستخدام. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون معلّماً مساعداً ممتازاً. فالطالب الذي لم يفهم درساً يستطيع أن يطلب شرح الفكرة بطريقة أبسط، أو الحصول على مثال إضافي، أو أن يقول: “لا تعطيني الحل، ساعدني على معرفة الخطوة التالية”. كما يمكن الأداة أن تقدّم تدريبات تناسب مستوى الطالب، فتشرح المفهوم بطرق مختلفة بحسب حاجته.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الذكاء الاصطناعي إلى طريق مختصر دائم. فالطالب الذي ينسخ الإجابة قد ينهي واجبه بسرعة، لكنه لم يمر بعملية المحاولة والخطأ والتفكير، وهي أساس التعلّم. ولذلك، ربما أصبح السؤال الأهم للأهل اليوم ليس: “هل أنهيت واجباتك؟” بل: “هل تستطيع أن تشرح لي ما تعلّمته؟”.

 

 

تعبيرية (مصممة بالذكاء الاصطناعي)

تعبيرية (مصممة بالذكاء الاصطناعي)

 

 

التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي: مهارات تتجاوز الشاشات

 

وهذا التحدي لا يرتبط بالذكاء الاصطناعي وحده، بل بعلاقتنا كلها بالتكنولوجيا. ففي نتائج دراسة PISA 2022 التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، أفاد نحو 30% من الطلاب، في المتوسط عبر دول المنظمة، بأنهم يتشتتون بسبب استخدام الأجهزة الرقمية في معظم حصص الرياضيات أو كلها. كما حقق هؤلاء الطلاب، في المتوسط، نتائج أقل بـ15 نقطة في الرياضيات مقارنة بالطلاب الذين نادراً ما يتشتتون.

لكن الدراسة نفسها تقدم رسالة مهمة للأهل: المشكلة ليست في الجهاز وحده، بل في طريقة استخدامه. فقد ارتبط الاستخدام التعليمي المعتدل للأجهزة داخل المدرسة بنتائج أفضل، فيما أظهرت البيانات أن العلاقة تصبح سلبية مع الاستخدام المفرط. وهذا يعني أن الكمبيوتر أو الجهاز اللوحي ليس عدواً للتعلّم، لكنه أيضاً ليس حلاً سحرياً له.

بالنسبة إلى الأهل، لا يحتاج الأمر إلى معرفة كل تطبيق جديد. يكفي معرفة الفئات الأساسية: أدوات تساعد على الشرح وطرح الأسئلة، تطبيقات لتنظيم الوقت والمراجعة، ومنصات للبرمجة والروبوتكس. وعند اختيار أي أداة، يمكن اعتماد قاعدة بسيطة: هل تساعد ابني على الفهم أم تقوم بالعمل بدلاً منه؟

كما ينبغي تعليم الطفل عدم إدخال معلوماته الشخصية أو صوره وبياناته الخاصة في أي أداة عشوائية، وعدم التعامل مع كل إجابة يقدمها الذكاء الاصطناعي باعتبارها حقيقة. فالذكاء الاصطناعي قد يقدّم معلومات خاطئة بثقة كبيرة. وتؤكد اليونسكو ضرورة أن يكون استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم إنسانياً وآمناً، مع حماية خصوصية المستخدمين وعدم التعامل مع التكنولوجيا كبديل من التفكير أو من العلاقة التربوية مع المعلم.

 

 

أطفال يستخدمون تقنيات الذكاء الاصطناعي في المنهج الدراسي (أ ف ب)

أطفال يستخدمون تقنيات الذكاء الاصطناعي في المنهج الدراسي (أ ف ب)

 

 

كيف نربّي جيلاً ذكياً في زمن الذكاء الاصطناعي؟

 

أما اليونيسف، فتشدد في توجيهاتها المحدثة بشأن الذكاء الاصطناعي والأطفال على حماية بيانات الطفل وخصوصيته وسلامته، إلى جانب إعداد الأطفال بالمهارات التي يحتاجون إليها للتعامل مع الذكاء الاصطناعي اليوم وفي المستقبل.

هذا التغيير يطاول المدرسة أيضاً. فالمعلم لم يعد المصدر الوحيد للمعلومة؛ فالمعلومة أصبحت على بعد نقرة. لذلك أصبح دوره أكثر أهمية في تعليم الطالب كيف يفكر، وكيف يسأل، وكيف يتحقق من صحة ما يقرأ. أما الطالب، فلم يعد يكفي أن يعرف استخدام التطبيقات، بل يحتاج إلى مهارات رقمية أعمق: التفكير النقدي، التحقق من المصادر، حماية الخصوصية، استخدام الذكاء الاصطناعي بمسؤولية، والقدرة على تنظيم تعلّمه.

وهذه ليست مهارات بعيدة من سوق العمل. ففي تقرير Future of Jobs 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، بقي التفكير التحليلي في صدارة المهارات التي يعتبرها أصحاب العمل أساسية، فيما برزت مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والثقافة التكنولوجية ضمن المهارات الأسرع نمواً في الأهمية.

أما الروبوتكس والبرمجة، فهما يقدمان نموذجاً عملياً مختلفاً للتكنولوجيا. فعندما لا يتحرك الروبوت كما يجب، لا يستطيع الطفل نسخ الإجابة ببساطة. عليه أن يكتشف الخطأ، ويجرّب حلاً جديداً، ويعمل مع زملائه. وهنا يتعلم التفكير المنطقي وحل المشكلات والصبر والعمل الجماعي.
في النهاية، لن يكون التحدي في العام الدراسي الجديد هو إبعاد أطفالنا عن التكنولوجيا، بل تعليمهم استخدامها بوعي. فالهدف ليس أن نمنع الذكاء الاصطناعي، ولا أن نترك الطفل يعتمد عليه في كل شيء، بل أن نضعه في مكانه الصحيح: أداة تساعده على أن يصبح متعلماً أفضل، لا بديلاً من عقله.

*باحثة و خبيرة تربوية

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *