اتهام بنك مصر في الإمارات بدعم إيران.. هل يعصف بعلاقات ترامب والسيسي؟
في صدمة هي الثانية خلال 10 أيام، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية، الجمعة، فرض عقوبات على بنك مصر فرع الإمارات، مانعة وصوله إلى النظام المصرفي العالمي، بداعي وجود علاقات تجارية ومالية له طوال نحو عامين ونصف مع إيران، قائلة: إنه ستتم “محاسبته على دعمه المستمر والفاضح للنظام الإيراني”.
الإجراء الأول وغير المسبوق في تاريخ المعاملات المالية والمصارف المصرية، والذي يأتي قبل أيام من زيارة الرئيس الصيني للقاهرة، سبقه صدمة أولى بتوقيع أمريكا وإثيوبيا اتفاقية توسيع حجم الشراكة العسكرية والأمنية والدفاعية 20 آب/أغسطس الجاري، في وقت تمارس فيه أديس أبابا ضغوطا سياسية على مصر في ملف مياه النيل.
وفاجأت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إدارة حليفه رئيس النظام المصري عبدالفتاح السيسي، أو ما أطلق عليه في آب/أغسطس 2019، لقب “ديكتاتوري المفضل”، الجمعة، بضم الفروع الستة لبنك مصر في الإمارات التابعة لثاني أكبر مصرف حكومي مصري لقائمة العقوبات الأمريكية، كونه “محطة أساسية” في حصول الحكومة الإيرانية على دولارات أمريكية، بحسب وزارة الخزانة الأمريكية التي توسع مؤخرا طائلة العقوبات على طهران.
بين البيانين الأمريكي والمصري
بيان وزارة الخزانة، الذي يأتي بعد نحو 6 شهور من الحرب الأمريكية على إيران، وبعد 10 أيام من إعلان ترامب “العملية الاقتصادية الأكثر سحقاً على الإطلاق” ضد إيران، قال إن بنك مصر في الإمارات عالج معاملات بنحو 1.8 مليار دولار لصالح 103 شركات، يُحتمل أن تكون جزءا من شبكات الظل المصرفية الإيرانية، خلال الفترة الممتدة من كانون الثاني/يناير 2024 إلى حزيران/يونيو الماضي.
ووصفت الوزارة البنك بأنه حلقة مهمة في وصول النظام الإيراني إلى الدولار، مدعية أن بعض عملائه شركات واجهة تستخدمها وزارة الدفاع الإيرانية والحرس الثوري للالتفاف على العقوبات الأمريكية وغسل الأموال.
اظهار أخبار متعلقة
وقال وزير الخزينة الأمريكي سكوت بيسنت: “حذرنا من أن الجهات التي تمكّن إيران من مواصلة أنشطتها لا يمكنها الاستمرار في التمتع بإمكانية الوصول إلى الدولار الأميركي والنظام المالي العالمي”، مضيفا: “وقد قرر بنك مصر (الإمارات) اختبار ذلك بالطريقة الصعبة، واليوم نتخذ الخطوة الأولى لمُحاسبته على دعمه المستمر والفاضح للنظام الإيراني”.
ورغم أن العقوبات الأمريكية لا تمس باقي أفرع بنك مصر في القاهرة وغيرها الموجودة في باريس وفرانكفورت والرياض وبيروت وجيبوتي، وفق بيان مصري، أكد أنه سيُسمح للبنك بمواصلة التحويلات الدولارية، إلا أن مراقبين يؤكدون أنه إجراء قد يكون له ما بعده من تبعات، حال تأكد وجود معاملات بين أفرع البنك في الإمارات مع الحرس الثوري، خاصة مع تصدر “غسيل الأموال” قائمة الاتهام.
وأكد البنك المصري في بيانه السبت، أنه ووزارة الخارجية المصرية على تواصل مع السلطات الأمريكية، في محاولة لتقديم توضيح رسمي قبل أن يتحول الاتهام الأمريكي خلال 30 يوما من نشره في السجل الفدرالي إلى أمر واقع، تنفذه واشنطن، وبالتبعية دول أخرى.
وفي حين لم يكشف البيان المصري عن حقيقة ما أعلنته وزارة الخزانة الأمريكية من أرقام، لم يصدر عن السلطات الإماراتية أية توضيحات أو ردود على العقوبات الأمريكية على بنك يخضع لقوانينها المصرفية ويعمل على أراضيها، خاصة وأن البنوك الأجنبية العاملة في دولة أخرى تخضع لقوانين تلك الدولة وقواعدها التنظيمية بشكل كامل.
نقطة شديدة الحساسية
وفي حديثه لـ”عربي21″، قام السياسي والبرلماني المصري أيمن صادق، بداية بضبط توصيف الإجراء الأمريكي، مؤكدا أن “ما أعلنته وزارة الخزانة لا يمثل حتى الآن (عقوبات شاملة) على بنك مصر كله، وإنما إجراء بموجب (Section 311) من قانون (USA PATRIOT Act) يستهدف فروع بنك مصر في الإمارات، ويقترح عزلها عن حسابات المراسلة بالدولار والنظام المالي الأمريكي؛ لكن هذا لا يقلل من خطورة الخطوة، بل يكشف أن واشنطن اختارت الضغط على نقطة شديدة الحساسية، وهي قدرة فروع بنك حكومي مصري كبير على الوصول إلى الدولار والنظام المالي العالمي”.
عضو مجلس الشعب المصري الأسبق، أضاف لـ”عربي21″: “لا نتحدث عن بنك هامشي أو مؤسسة خاصة صغيرة، وإنما عن بنك مصر، ثاني أكبر بنك حكومي في البلاد والمملوك بالكامل للدولة، والذي تجاوزت أصوله وفق بياناته الرسمية 4.2 تريليون جنيه بحلول تشرين الأول/أكتوبر 2025، ولذلك فإن استهداف فروعه الخارجية بهذه الصورة يتجاوز في دلالته مجرد مخالفة مصرفية، ويفتح أسئلة أوسع حول الرقابة والمسؤولية وحدود حركة مؤسسات الدولة المصرية في الخارج”.
ولفت إلى أن “الأرقام التي أوردتها الخزانة الأمريكية ثقيلة؛ إذ تقول إن فروع بنك مصر في الإمارات عالجت، بين يناير/كانون الثاني 2024 ويونيو/حزيران 2026، معاملات تقدر بنحو 1.8 مليار دولار لصالح 103 شركات يشتبه في ارتباطها بشبكات الظل المصرفية الإيرانية، منها نحو 520 مليون دولار خلال آخر 12 شهراً فقط من الفترة محل التحقيق، كما تحدث البيان عن أكثر من 32 مليون دولار لصالح شركة (Alpa Trading) وأكثر من 29 مليون دولار لصالح شركة (Naba Alzaki)، وهما من الكيانات التي تربطها واشنطن بشبكات تخدم وزارة الدفاع الإيرانية والحرس الثوري”.
حجم الخطورة.. ودور الإمارات
اقتصادياً، يرى عضو لجنة الخطة والموازنة بالبرلمان المصري سابقا، أن “الإجراء لا يعني أن بنك مصر كله أصبح معزولاً عن النظام المالي العالمي، لأنه يستهدف فروع الإمارات تحديداً وليس المركز الرئيسي في القاهرة أو بقية فروع البنك الخارجية؛ لكن إذا تحول الإجراء إلى قاعدة نهائية، فإن المؤسسات المالية الأمريكية ستُمنع من توفير حسابات مراسلة لهذه الفروع، وسيُقيد وصولها المباشر وغير المباشر إلى الدولار”.
ويعتقد أن “الخطورة لا تتوقف عند فروع البنك بالإمارات؛ فالإجراءات المالية الأمريكية تعمل أيضاً من خلال أثرها على السمعة المصرفية وارتفاع كلفة الامتثال والتدقيق؛ والبنوك الدولية عادة تعيد تقييم مخاطر التعامل مع أي مؤسسة تدخل دائرة التحقيق أو العقوبات الأمريكية، وبالتالي يمكن أن تمتد آثار القرار عملياً إلى ما هو أبعد من نطاقه القانوني المباشر”.
السياسي والاقتصادي المصري أكد لـ”عربي21″، أنه “لا توجد حتى الآن أدلة منشورة تسمح بالجزم بأن تعاملات بهذا الحجم تمت داخل الإمارات بضوء أخضر رسمي من السلطات الإماراتية، كما أن وزارة الخزانة الأمريكية لم توجه هذا الاتهام إلى الحكومة الإماراتية؛ لكن الحديث عن معاملات تقترب من ملياري دولار عبر أكثر من مائة شركة وعلى مدى عامين ونصف يجعل من الصعب اعتبار الأمر مجرد حادث مصرفي عابر، ويطرح أسئلة جدية عن منظومة الرقابة والامتثال المالي، خصوصاً أن الحزمة الأمريكية نفسها استهدفت مسؤولين وكيانات أخرى مرتبطة بشبكات مالية إيرانية في دبي”.
“مأزق أعمق”
وسياسياً، يرى صادق، أن “الواقعة تكشف مأزقاً أعمق في السياسة الخارجية المصرية؛ وأن نظام السيسي حاول طوال السنوات الماضية التحرك في عدة اتجاهات متعارضة في الوقت نفسه: شراكة أمنية وعسكرية مع واشنطن، توسع اقتصادي مع بكين، علاقات قوية مع موسكو، وانفتاح متزايد على طهران، إلى جانب الانضمام إلى مجموعة (بريكس)”.
ويلفت إلى أن “تنويع العلاقات في ذاته ليس خطأ، بل هو أمر طبيعي لأي دولة تسعى إلى حماية مصالحها؛ لكن المشكلة تبدأ عندما تتصرف القاهرة أحياناً كما لو كانت تمتلك هامش دولة كبرى تستطيع الاقتراب من الخطوط الحمراء الأمريكية من دون أن تدفع ثمناً، بينما واقعها الاقتصادي واعتمادها المالي والعسكري على الغرب لا يمنحانها هذا القدر من الاستقلال”.
و”التوقيت له دلالته أيضاً؛ فالخطوة الأمريكية تأتي قبل أيام من الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة، وهي الأولى له منذ نحو عشر سنوات، وفي لحظة يتزايد فيها التقارب المصري الصيني بشكل واضح”، وفق قوله.
وألمح إلى أن “العقوبات تأتي بعد أيام قليلة من لقاءات عسكرية إثيوبية رفيعة المستوى في البنتاغون يومي 19 و20 أغسطس/آب، أعقبتها تصريحات إثيوبية عن رفع التعاون الدفاعي والأمني مع الولايات المتحدة إلى مستوى التعاون الاستراتيجي الشامل، وبالنسبة إلى القاهرة، التي تعتبر سد النهضة والأمن المائي أحد أخطر ملفات أمنها القومي، فإن هذا التطور لا يمكن النظر إليه باعتباره خبراً هامشياً”.
ماذا عن ترامب وديكتاتوره المفضل؟
لا يعتقد البرلماني المصري السابق، أن “الوقائع المتاحة تسمح بالقول إن إدارة ترامب دخلت بالفعل في مرحلة قطيعة مع السيسي أو قررت فك التحالف معه؛ الولايات المتحدة ما زالت تعتبر مصر شريكاً استراتيجياً مهماً، والكونغرس خصص في موازنة 2026 نحو 1.375 مليار دولار من التمويل العسكري الخارجي لمصر، أي أعلى بنحو 75 مليون دولار من المستوى التقليدي البالغ 1.3 مليار دولار”.
واستدرك: “لكن هذا تحديداً هو ما يجعل الرسالة الأمريكية أكثر وضوحاً؛ فواشنطن لا تحتاج إلى فك التحالف كي تضغط على القاهرة؛ تستطيع أن تستفيد من أدوار مصر الإقليمية عندما تحتاج إليها، وأن تحافظ على المساعدات والتنسيق العسكري والأمني، وفي الوقت نفسه لا تتردد في الضغط على مؤسسة مصرية كبيرة عندما ترى أن تحركاتها تتعارض مع أولويات أمريكية أساسية”.
اظهار أخبار متعلقة
وأوضح أنه “لهذا كانت لغة وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت لافتة في حدتها عندما قال إن بنك مصر في الإمارات قرر أن يكتشف (بالطريقة الصعبة) ما يحدث لمن يساعد إيران في الوصول إلى الدولار؛ فهذه ليست لغة ملاحظة مصرفية فنية بين حليفين، وإنما رسالة سياسية ومالية واضحة بأن هامش الحركة المصري له حدود عندما يصل الأمر إلى إيران والدولار والنظام المالي الأمريكي”.
وقال: “من هنا، فالسؤال الأدق ليس: هل توقف ترامب عن اعتبار السيسي حليفاً مهماً؟ الأغلب أن الإجابة لا؛ وإنما السؤال هو: هل أصبحت واشنطن أكثر استعداداً للتعامل مع القاهرة باعتبارها شريكاً تستفيد من أدواره عندما تحتاج إليه، لكنها لا تتردد في الضغط عليه عندما تتعارض سياساته أو تحركات مؤسساته مع أولوياتها؟ وفي تقديري، المؤشرات الحالية تقول إن الإجابة أصبحت أقرب إلى نعم”.
اختبار كبير لمصر
وذهب للقول إن “نظام السيسي راهن لسنوات على أن أدواره في غزة، وعلاقته بإسرائيل، وتأمين قناة السويس، ومكافحة الإرهاب والهجرة تمنحه هامشاً واسعاً في واشنطن؛ لكن قضية بنك مصر تكشف أن لهذا الهامش حدوداً، وأن الولايات المتحدة عندما تعتبر أن مصالحها المباشرة المرتبطة بإيران والدولار والنظام المالي قد مُست، فإنها تستطيع الانتقال سريعاً من لغة (الشريك الاستراتيجي) إلى لغة الضغط والعزل المالي”.
ولهذا يرى صادق، أن “القضية أكبر من بنك مصر نفسه؛ إنها اختبار لقدرة القاهرة على إدارة علاقاتها بين واشنطن وبكين وموسكو وطهران، واختبار أيضاً لحقيقة وزن مصر في علاقاتها بالولايات المتحدة”.
وبين أن “الرسالة الأمريكية تبدو شديدة الوضوح، بأنه يمكن للنظام المصري أن يناور بين المحاور، لكن ليس من موقع الند، وليس من دون ثمن، وليس عندما تلامس هذه المناورة الخطوط الحمراء الأمريكية”.
