مستشفى البيمارستان الإسلامي التاريخي… علاج الفقير النفسي
من قلب دمشق القديمة، وعلى مقربة من الجامع الأموي، وبين أزقة المدينة التي تختزن قروناً من الحكايات، يقف مستشفى البيمارستان النوري شاهداً على زمنٍ كانت فيه دمشق من أبرز مراكز العلم والطب في العالم.
في هذا البناء الذي يعود إلى القرن الثاني عشر، لم يكن المستشفى مجرد مكانٍ يقصده المرضى بحثاً عن العلاج، بل كان مؤسسةً تجمع بين العلاج والتعليم والبحث الطبي والصيدلة، في نموذجٍ يبدو لافتاً حتى بمقاييس عصرنا.

أقدم مشفى لايزال شاهداً على تاريخ الطب
شُيّد البيمارستان النوري عام 1154 ميلادية، في عهد السلطان نور الدين محمود بن زنكي، وسُمّي باسمه. ويُعد من أقدم البيمارستانات الإسلامية الباقية، وقد وصفه الرحالة الأندلسي ابن جبير، الذي زار دمشق بعد بنائه بنحو ثلاثة عقود، بأنه مؤسسة طبية متقدمة، وكان يذكر أن الأطباء كانوا يبدأون عملهم في الصباح بتفقد المرضى وتحديد ما يحتاجونه من أدوية وأغذية.
عمارة تحكي تاريخ الطب
وتكشف عمارة المكان جانباً آخر من قصته؛ فقد بُني حول فناء داخلي، وتوزعت حوله أربعة إيوانات، وكان أكبرها مخصصاً للمحاضرات والاجتماعات الطبية. وفي جدرانه خزائن لحفظ الكتب الطبية، ما يعكس بوضوح أن المكان لم يكن مخصصاً للعلاج فحسب، بل كان أيضاً مساحةً للتعلّم ونقل المعرفة الطبية.

ولم تتوقف أهمية البيمارستان عند تقديم الرعاية الصحية، إذ كان مدرسةً لتعليم الطب وتدريب الأطباء، وهو ما جعل منه مركزاً علمياً بارزاً في دمشق. وتشير المصادر إلى ارتباط عدد من الأطباء والعلماء بتاريخ البيمارستان، وبينهم ابن أبي أصيبعة، صاحب كتاب “عيون الأنباء في طبقات الأطباء”، الذي قدم من خلال كتاباته معلومات مهمة عن الحياة الطبية والتعليم الطبي في تلك المرحلة.
أما الجانب العلاجي، فلم يكن منفصلاً عن المعرفة الطبية؛ فقد كان الأطباء يتابعون المرضى بصورة منتظمة، ويحددون لهم الأدوية والأغذية المناسبة لحالاتهم. وتشير الروايات التاريخية كذلك إلى وجود رعاية للمرضى الذين يعانون من الاضطرابات العقلية، ما يكشف عن اهتمام مبكر بالصحة النفسية ضمن منظومة العلاج.
خدمات مجانية للفقراء والمحتاجين
ولم يكن العلاج حكراً على القادرين، إذ كان البيمارستان يقدّم الرعاية الطبية للمرضى من مختلف الفئات، مع توفير العلاج والأدوية من دون مقابل، بما في ذلك للفقراء، في نموذج مبكر للرعاية الصحية العامة.

وتقول زينة شباط، أمينة متحف الطب والعلوم، إن البيمارستان كان مخصصاً لعلاج المرضى، وبينهم المصابون بالأمراض العقلية والنفسية، كما ضم قسماً للصيدلة، حيث كانت النباتات الطبية تدخل في تحضير الأدوية والعلاجات.
وتضيف إن أهمية المكان لا تقتصر على كونه مستشفى تاريخياً، بل تكمن أيضاً في دوره العلمي، إذ كان يستقبل طلاب الطب والعلماء، ويشكّل نموذجاً للمؤسسات التي جمعت بين ممارسة الطب وتدريسه.
ولم يبقَ البناء على حاله الأولى بالكامل، فقد شهد توسيعات وترميمات عبر العصور، بينها إضافة أُنجزت في القرن الثالث عشر لاستيعاب أعداد أكبر من المرضى. ومع مرور الزمن، توقف البيمارستان عن أداء دوره كمستشفى، قبل أن يتحول إلى متحف للطب والعلوم في العالم العربي، ليصبح اليوم مساحةً تستعيد ذاكرة الطب وتعرّف الزوار إلى جانب مهم من تاريخ العلوم في دمشق.

من مؤسسة علاجية إلى متحف للطب والعلوم
تحول المستشفى إلى متحف. وفي تفاصيل المكان، تبرز عناصر معمارية وزخرفية لا تقل أهمية عن وظيفته الطبية؛ من المدخل المزخرف والمقرنصات إلى الأبواب الخشبية والنقوش الرخامية، وصولاً إلى الإيوانات والفناء الداخلي الذي يشكل محور البناء. وهكذا يبدو البيمارستان كأنه يروي قصته من خلال الحجر كما ترويها الكتب.
اليوم، يدخل الزائر إلى البيمارستان النوري لا ليتلقى علاجاً، بل ليكتشف كيف كان الطب يُمارس ويُدرّس قبل قرون، وكيف استطاعت دمشق أن تجعل من المستشفى مكاناً للعلاج، ومدرسةً للعلم، وفضاءً لتطوير المعرفة الطبية.

مستشفى، ومدرسة للطب، ومكان للعلاج النفسي في مكان واحد. ومن بين جدرانه القديمة، تبقى الحكاية الأهم أن بعض الأفكار التي نراها اليوم تعدّ جزءاً أساسياً من مفهوم المستشفى الحديث،
كالتخصص والعلاج المنظم والتعليم الطبي والصيدلة، كانت لها جذور واضحة في مؤسسات مثل البيمارستان النوري، الذي بقي شاهداً على مرحلة مهمة من تاريخ الطب في دمشق والعالم الإسلامي.


