العلوم والتكنولوجيا

هل تصنع كرة القدم هويةً سياحية تدوم؟

0 0
Read Time:3 Minute, 40 Second

لا تستضيف الدول كأس العالم من أجل تسعين دقيقة من كرة القدم، ولا حتى من أجل شهر من المباريات والاحتفالات. الرهان الحقيقي يبدأ بعد صافرة النهاية: أن تتحول الدولة أو المدينة المضيفة من اسمٍ عابر على الخريطة إلى وجهة يعرفها العالم، ويتذكرها، ويرغب في زيارتها. فالمونديال ليس بطولة رياضية فحسب، بل أكبر حملة تعريف سياحية وثقافية يمكن أن تحصل عليها دولة، لأن ملايين المشجعين لا يكتفون بالحضور والإنفاق، بل ينقلون تجربتهم إلى مليارات البشر عبر الشاشات ومنصات التواصل.

قدمت قطر في مونديال 2022 المثال الأوضح على هذه القوة. فقد استقبلت أكثر من 1.4 مليون مشجع من مختلف أنحاء العالم، فيما بلغ مجموع الحضور في الملاعب 3.4 ملايين متفرج، واستقطبت مهرجانات المشجعين نحو 1.8 مليون زيارة. وفي النهائي وحده، تابع قرابة 1.5 مليار شخص مباراة الأرجنتين وفرنسا، ما وضع الدوحة ومعالمها ومطاراتها وثقافتها أمام جمهور عالمي بحجم لا تستطيع أي حملة إعلانية تقليدية شراءه.

 

الأثر القطري

لم يكن الأثر القطري محصوراً في أعداد الوافدين خلال البطولة. قبل المونديال، كانت صورة قطر لدى قطاعات واسعة من الجمهور الدولي مرتبطة أساساً بالطاقة والأعمال والسياسة. بعده، أصبحت البلاد مرتبطة أيضاً بالملاعب الحديثة، والكورنيش، والأسواق، والمتاحف، والضيافة العربية، وسهولة التنقل بين المباريات. هكذا تصنع البطولات الكبرى ما يسمى “العلامة الوطنية”: قصة مختصرة ومؤثرة عن البلد، يشارك الزائر في كتابتها، ثم ينشرها طوعاً من خلال الصور والفيديوهات والانطباعات الشخصية.

أما مونديال 2026، الذي اختتم في 19 تموز/يوليو في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، فقد رفع هذا التأثير إلى مستوى غير مسبوق من حيث الحجم والانتشار. البطولة الأولى بمشاركة 48 منتخباً ضمت 104 مباريات موزعة على 16 مدينة، واجتذبت نحو 6.8 ملايين متفرج، محطمة الرقم القياسي التاريخي للحضور. كما سجلت إشغالاً شبه كامل للملاعب، ووصلت المشاهدة الرقمية إلى عشرات المليارات من التفاعلات والمقاطع، ما جعل البطولة معرضاً سياحياً متنقلاً امتد عبر قارة كاملة.

ويختلف نموذج 2026 عن قطر في أن الأثر لم يتركز في دولة صغيرة ومدينة محورية، بل توزع بين أسواق ومدن ذات هويات شديدة التنوع: من مكسيكو سيتي ومونتيري وغوادالاخارا، إلى تورونتو وفانكوفر، وصولاً إلى نيويورك ولوس أنجلوس وميامي وهيوستن وسياتل. كل مدينة حصلت على فرصة لتقديم مطبخها، وأحيائها، وثقافتها، وبنيتها الترفيهية إلى جمهور جديد. ففي هيوستن مثلاً، استقبل المطاران نحو 4.5 ملايين مسافر خلال فترة البطولة، وارتفعت إيرادات الفنادق قرابة 15% رغم تراجع طفيف في نسب الإشغال، فيما اعتبر مسؤولو السياحة أن التجارب الإيجابية التي نقلها المشجعون شكّلت أفضل دعاية ممكنة للمدينة. 

 

ملعب ميتلايف بعد تجهيزه لاستضافة نهائي كأس العالم (أ ف ب)

ملعب ميتلايف بعد تجهيزه لاستضافة نهائي كأس العالم (أ ف ب)

 

اتساع السلسة الاقتصادية

لكن القيمة الكبرى لا تُقاس فقط بفواتير الفنادق والمطاعم. دراسة أعدتها “فيفا” بالتعاون مع منظمة التجارة العالمية قدرت قبل البطولة أن مونديال 2026 يمكن أن يضيف حتى 40.9 مليار دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي عالمياً، وأن يدعم نحو 824 ألف وظيفة بدوام كامل، بينها 185 ألف وظيفة في الولايات المتحدة. تبقى هذه تقديرات تحتاج إلى مراجعة بعد صدور البيانات النهائية، لكنها تكشف اتساع السلسلة الاقتصادية التي تحركها البطولة، من الطيران والنقل إلى الضيافة والتجزئة والإعلام والأمن والتكنولوجيا. 

الإرث الحقيقي يظهر عندما تتحول الاستثمارات المؤقتة إلى أصول دائمة. الطرق والمطارات وخطوط النقل والفنادق التي تُطوّر لاستقبال المشجعين يمكن أن تخدم السكان والزوار لعقود. كما أن المسارات الجوية التي تُفتح أو تُعزز خلال البطولة قد تبقى إذا أثبت الطلب استمراره، بينما تكتسب المدن خبرة تنظيمية تساعدها على استضافة المؤتمرات والحفلات والبطولات اللاحقة. وقد رأى مجلس السفر والسياحة العالمي في مونديال 2026 فرصة استراتيجية لتعزيز الربط الجوي والتعاون السياحي بين الدول الثلاث، متوقعاً نمواً في الناتج السياحي بنسبة 6.4% في كندا، و2.4% في المكسيك، و2.1% في الولايات المتحدة خلال 2026. 

 

ليس كل إنفاق مكسب!

مع ذلك، لا يتحول كل إنفاق إلى مكسب تلقائي. فنجاح الاستضافة يعتمد على ضبط كلفة المشاريع، وتجنب المنشآت غير المستخدمة، وربط البنية التحتية بخطط التنمية، وضمان ألا تؤدي الأسعار المرتفعة إلى إقصاء السكان أو الزوار. البطولة تمنح الدولة نافذة عالمية، لكنها لا تضمن وحدها استمرار الاهتمام؛ المطلوب بعد النهاية تحويل الفضول إلى حجوزات، والصورة الإيجابية إلى استثمارات، والاحتفال العابر إلى سياسة سياحية طويلة الأمد.

فالزائر الذي حضر مباراة قد يعود لاحقاً مع عائلته، أو يوصي بالوجهة، أو يختارها لعقد مؤتمر أو إطلاق مشروع استثماري جديد خلال السنوات التالية.

لهذا، فإن كأس العالم لا ينتهي برفع الكأس. قطر لا تزال تستثمر في الصورة التي صنعتها عام 2022، وأميركا الشمالية بدأت الآن مرحلة تحويل الحضور القياسي لمونديال 2026 إلى إرث سياحي وثقافي واقتصادي. الدول التي تفهم هذه المعادلة لا تستضيف بطولة فقط؛ إنها تعيد تقديم نفسها إلى العالم، وتشتري بالكرة مكاناً في ذاكرته لعقود.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *