من بقرتين إلى مزرعة كاملة… شابتان تحوّلان الشغف إلى قصة نجاح في لبنان (فيديو)
في السادسة صباحاً، يبدأ يوم سارا بين الأبقار، لا خلف مكتب ولا أمام شاشة. تنادي كل واحدة باسمها، تربّت عليها، تراقبها عن قرب، وتعرف طباعها كما يعرف الناس أفراد عائلاتهم.
بالنسبة إليها، ليست الأبقار مجرد مصدر للإنتاج، بل كائنات رافقتها منذ الطفولة، حتى بات لكل واحدة منها حكايتها الخاصة.
الحلم الذي بدأ ببقرتين
في الكورة، شمال لبنان، تبدأ هذه القصة التي حرصنا على توثيقها بالصورة والكلمة. قبل سنوات، لم يكن في مزرعة العائلة سوى بقرتين. كانت سارا، التي لم تتجاوز الرابعة عشرة آنذاك، تمضي معظم وقتها في الاعتناء بهما، فيما كانت والدتها تظن أن ابنتها ستختار مستقبلاً مختلفاً، ربما في عالم تصميم الأزياء. لكن شغفها بالحيوانات كان أكبر من كل التوقعات، وكبر عاماً بعد عام.

بدلاً من محاولة تغيير مسارها، قرر والداها أن يرافقا حلمها. دعماها مادياً ومعنوياً في مجال لا يزال كثيرون ينظرون إليه على أنه حكر على الرجال، ومنحاها الثقة لتشق طريقها كما أرادت، لا كما اعتاد المجتمع أن يرسمه للفتيات.

اليوم، تدرس سارا الطب البيطري، وفي الوقت نفسه تشرف يومياً على المزرعة. تتابع صحة الأبقار، ونظامها الغذائي وإنتاجها، موزّعة وقتها بين قاعات الجامعة والحقول، وبين الدراسة والعمل، لتجمع بين المعرفة العلمية والشغف الذي بدأ منذ سنوات.
حين يتحوّل الحلم إلى مشروع عائلي
لكن الحلم هنا لا يخص سارا وحدها. بعد انتهاء مرحلة حلب الأبقار، انتقلنا إلى المعمل، حيث كانت شقيقتها كاثرين تستقبلنا. تدرس سلامة الغذاء، وتوظف اختصاصها في متابعة جودة الإنتاج، لتصبح المعرفة العلمية جزءاً من المشروع العائلي، بينما تتولى الوالدة منال إدارة تفاصيل العمل اليومية، وتشرف على رحلة الحليب منذ وصوله طازجاً إلى المعمل، وصولاً إلى صناعة الأجبان والألبان والشنكليش.

ورغم تجهيز المعمل بأحدث المعدات، لا تزال بعض المراحل تُنجز بالطريقة التقليدية. فاللبنة، على سبيل المثال، تُصفّى داخل أكياس القماش كما كانت تفعل الجدات، لتتخلص من المصل بهدوء قبل أن تكتسب قوامها المعروف.
أما الشنكليش، فيمر بمراحل دقيقة تحافظ على النكهة التي توارثتها العائلات الريفية جيلاً بعد جيل. كما ترفض العائلة استخدام المواد الحافظة، ما يجعل مدة صلاحية منتجاتها أقصر، لكنها ترى في ذلك دليلاً على جودتها وطبيعتها.

عندما آمن الأهل بحلم ابنتيهما…
وخلال ساعات التصوير، لم يكن المشهد يختصر صناعة الألبان فحسب، بل كان يروي حكاية عائلة كاملة. لكل فرد دوره، ولكل واحد مسؤوليته، لكن الهدف واحد: أن ينجح الحلم الذي بدأ ببقرتين فقط.
أكثر ما لفتنا لم يكن حجم المزرعة ولا تطور المعمل، بل العلاقة التي تجمع أفراد هذه العائلة. الأم لم تمنح ابنتيها المال فحسب، بل منحتهما الثقة، وتركت لهما مساحة للتجربة والنجاح، من دون أن تقف الصورة النمطية أو صغر السن في طريقهما.

وقبل المغادرة، جلسنا حول مائدة من إنتاج المزرعة نفسها. أجبان وألبان صنعتها أيادٍ عرفنا أصحابها قبل ساعات فقط، فبدت النكهة مختلفة، لأنها تحمل وجوه من صنعنها وقصة المكان الذي خرجت منه.

في النهاية، لم تكن هذه حكاية مزرعة أو منتجات ألبان فقط، بل حكاية عائلة آمنت بابنتيها منذ البداية. ومن بقرتين فقط، وُلد مشروع، وكبرت معه عائلة، وتحول شغف طفلة إلى حياة اختارتها سارا وكاثرين بكل اقتناع.
