اقتصاد

هل يطلق تأميم بريطانيا إحدى قلاعها الصناعية جرس إنذار للدولة المصرية؟

0 0
Read Time:8 Minute, 4 Second

في وقت تواصل فيه الحكومة المصرية التخلص من الشركات العامة والأصول الحكومية بطرح 20 تابعة لقطاع الأعمال العام و10 من قطاع البترول بالبورصة وأمام مستثمرين استراتيجيين؛ قررت بريطانيا تأميم إحدى أهم شركاتها الحكومية وإعادتها للشعب بعد 6 سنوات من استحواذ صيني عليها، بهدف المصلحة الوطنية.

وإزاء تحرك المالك الصيني للشركة لغلق أفران الصهر؛ قامت الحكومة البريطانية بتأميم شركة “بريتيش ستيل” (British Steel) المملوكة لمجموعة “جينغيه” (Jingye) الصينية، وذلك بعد إقرار البرلمان تشريعا يتيح للحكومة السيطرة على شركات الصلب لحماية المصالح الوطنية والاقتصادية.

ويهدف قرار التأميم الاستراتيجي الذي يعد إحدى إجراءات الفكر الاقتصادي  الاشتراكي، والصادر عن أكبر دول العالم رأسمالية؛ حماية الأمن القومي البريطاني بضمان إمدادات الصلب المنتج محليا لمشروعات البناء الكبرى، وصناعات الدفاع العسكرية، وإنقاذ الوظائف بالحفاظ على 2700 عامل بمصنع “سكنثورب”  بشمال إنجلترا، واستمرار الإنتاج بأفران الصهر، الأخيرة ببريطانيا.

اظهار أخبار متعلقة

وبرغم أن القرار البريطاني قد يكون له تبعاته الدولية وآثاره الاقتصادية وتأثيره السلبي على الاستثمارات في المملكة المتحدة؛ جاءت التصريحات الرسمية من لندن مثمنة للقرار ومشيدة به، حيث أكد وزير الأعمال والتجارة البريطاني، بيتر كايل، أن الشركة أصبحت الآن ملكا للشعب البريطاني.

وبالفعل، ومع أنه من المقرر إجراء تقييم مستقل لتحديد ما إذا كانت المجموعة الصينية تستحق أي تعويض مالي؛ جاء رد الفعل الصيني غاضبا، حيث نددت بقرار التأميم البريطاني، وزارة التجارة الصينية، واعتبرته انتهاكا لحقوق المستثمرين الصينيين، ملوحة باللجوء إلى القضاء.

وفي ذات سياق المصلحة الوطنية البريطانية، وفي 25 كانون الثاني/يناير 2024، حذرت الحكومة البريطانية من أن حصة شركة “الإمارات للاتصالات”، البالغة 14.6 بالمئة في شركة “فودافون”، تشكل مصدر قلق أمني وتهديدا محتملا للأمن القومي، وأمرت بتشكيل “لجنة الأمن القومي” في فودافون، ما اضطر المجموعة الإماراتية لاحقا إلى بيع حصتها في حزيران/يونيو الماضي.

وفي واقعة ثالثة، قادت مخاوف بريطانية تتعلق بحرية الصحافة وتأثير الحكومات الأجنبية على وسائل الإعلام، البرلمان الإنجليزي لإقرار تشريع يمنع الحكومات الأجنبية من امتلاك الصحف وفرض سقف لا يتجاوز 15 بالمئة لأي مساهمة أجنبية بها، ما أفشل صفقة إماراتية لمجموعة “ريد بيرد آي إم آي” للاستحواذ على “ديلي تلغراف”، ومجلة “سبيكتاتور”، في نيسان/أبريل 2024، مع بالنظر إلى سجل الحريات في أبو ظبي.

عكس الاتجاه البريطاني

وفي المقابل، تواصل الحكومة المصرية عمليات طرح الأصول العامة والتي تمثلت مؤخرا في 30 شركة مملوكة للدولة بالبورصة، حيث تم قيد 20 منها، تمهيدا للطرح النهائي، مع استكمال إجراءات قيد 10 شركات جديدة (تشمل 7 شركات بقطاع البترول و3 شركات بقطاع الأعمال العام)، وذلك قبل طرح حصص من شركات كبرى مثل “بنك القاهرة”، و”مصر لتأمينات الحياة”، و”ميدور”، “مصر للأدوية”، وشركات جهاز مشروعات الخدمة الوطنية مثل “وطنية” و”صافي” و”سايلو فودز” و”شيل أوت” وغيرها.

مع طرح 4 شركات جديدة للتداول، هي: “المعمورة” التابعة لـ”القابضة للسياحة والفنادق”، و”الهندسية للصناعات البترولية والكيماوية” (إنبي) برأس مال 257 مليون دولار، و”المصرية لإنتاج الألكيل بنزين الخطى” (إيلاب) برأس مال 210 ملايين دولار، و”الخدمات البترولية البحرية” برأس مال 120 مليون دولار.

وفي التعديل الوزراء الأخير، شباط/فبراير الماضي، جرى إلغاء وزارة “قطاع الأعمال العام”، وسط غموض مصير تركة من 6 شركات قابضة يتبعها 60 شركة تضم شركات عاملة بقطاعات الاتصالات، والخدمات، والزراعة، والصناعة، والطاقة والبترول، والطبي، والنقل، والبنوك والتأمين، والسياحة، والمال والاستثمار، والمقاولات والإسكان والعقارات، خاصة وأنه تبع القرار نقل 40 شركة إلى “الصندوق السيادي”، وقيد 20 شركة أخرى بالبورصة المحلية.

وأنشأت “وحدة الشركات المملوكة للدولة” (بموجب القانون 170 لسنة 2025) لإعادة هيكلة 561 شركة تابعة لـ 45 جهة حكومية، بعد حصر الأصول وتقييمها وتحديد حجم محفظتها، وذلك قبل أن تقرر “لجنة إصلاح وإعادة هيكلة الهيئات الاقتصادية” في 4 كانون الأول/ ديسمبر الماضي حول أوضاع ٥٩ هيئة اقتصادية تصفية وإلغاء ٤ هيئات، ودمج ٧ في أخرى، وتحويل ٩ من اقتصادية لعامة، والإبقاء على ٣٩ هيئة، كمرحلة أولى، تتبعها إعادة هيكلة تفصيلية لكل هيئة.

وخلال السنوات الأخيرة، جرى إغلاق وتصفية شركات صناعية عملاقة مثل: “القومية للإسمنت”، تشرين الأول/ أكتوبر 2018، و”الحديد والصلب” (حلوان) كانون الثاني/ يناير 2021، و”النصر لصناعة الكوك”، أيلول/ سبتمبر 2022، و”راكتا” (العامة لصناعة الورق)، آذار/ مارس 2024، والمصرية للإنشاءات المعدنية “ميتالكو” تموز/ يوليو 2024.

وجري بيع شركات عامة أو حصص منها لشركاء أجانب بين أعوام (2022 و2024) منها “إيسترن كومباني”، و”فوري” للمدفوعات الإلكترونية، و”أبوقير للأسمدة”، ومصر لإنتاج الأسمدة (موبكو)، و”الإسكندرية لتداول الحاويات”، و”إي فاينانس”، و”باكين” للبويات، و”العز الدخيلة للصلب”، و”الفنادق السبعة التاريخية”، و”حلوان للأسمدة”، وغيرها.

وبحسب بيانات وزارة المالية، في شباط/ فبراير 2024، فقد بلغت قيمة بيع 248 شركة، وتصفية 34 أخرى بين أعوام (1993- 2016)، نحو 53.6 مليار جنيه، فيما يرى محللون أن عوائد البيع لم يتم استغلالها، بينما خسرت الدولة أصولا لا تقدر بثمن، وفقدت الموازنة العامة للدولة أهم مواردها، وجرى تسريح مئات الآلاف من العمال.

 وفي أحدث القرارات يأتي تدشين شركة “غزل المحلة”، الشهر الجاري مع بدء تلقي عروض المستثمرين الاستراتيجيين المهتمين بالصرح الصناعي العريق، الذي جرى تحديث مصنعين به بتكلفة 35 مليار جنيه مؤخرا، ومن ثم انتقاله للقطاع الخاص بعد 99 عاما من العمل كشركة حكومية بالسوق المحلي والتصدير للأسواق العربية والأفريقية والعالمية، ودون الكشف عن مصير المصانع الأربعة المتبقية وحوالي 16 ألف عامل ومهندس وفق “وزارة قطاع الأعمال العام”.

وفي إطار الأضرار على العمالة تفجرت أزمة أرض منطقة “المستعمرة” التابعة لشركة غزل المحلة والتي جرى تخصيصها عام 1945 كسكن لعمال الشركة، والتي كانت تقطنها قبل 3 سنوات نحو 750 أسرة عمالية، ليتم تهجير نحو 685 منها بعد تعويض غير عادل (205 آلاف جنيه)، وفق تقرير لـ”ديوان العمران”، مطلع أيار/مايو الماضي.

تناقض مثير وجرس إنذار

ويفتح التناقض بين التوجه المصري نحو الخصخصة والتخلص من الشركات العامة، والتوجه البريطاني نحو التأميم لحماية الأمن القومي، بابا من الجدل حول ضرورة تغيير الحكومة المصرية استراتيجية إدارة الأصول، والخروج من إطار تعليمات “صندوق النقد الدولي”.

ويرى متحدثون لـ”عربي21″، ومحللون أن “قرار بريطانيا الدولة الرأسمالية الكبرى بتأميم صناعة الصلب لديها وضعت تصورا جديدة لملف الاستثمارات الأجنبية على أراضيها بمنع تغول المستثمر غير الوطني على القطاعات المرتبطة بالأمن الاقتصادي والأمن القومي”.

وذهبوا للقول إن “القرار يمثل جرس إنذار للدولة المصرية ودعوة للتوقف عند هذا الحد من التفريط بأصولها العامة وشركاتها الاستراتيجية، واستعادة السيطرة على الصناعات الثقيلة”، مشيرين إلى أن “طرح حكومة القاهرة حاليا أصول 30 شركة بترول وقطاع أعمال كحل لأزمة السيولة والديون؛ يمكن استبداله بخطط للتطوير بدلاً من البيع وتفريغ البلاد من أصولها السيادية”.

ولفتوا إلى أن “حماية الأمن القومي، وإنقاذ الوظائف، وضمان إمدادات مشاريع الدفاع كانت حجج بريطانيا للتأميم، وأنه لذلك فعلى الحكومة المصرية وضع ضمانات وشروط وبنود بعقود طروحات الشركات الـ30 تمنح الدولة حق (التأميم) إذا ما قرر المستثمر الأجنبي تصفية العمالة، أو إغلاق المصانع، أو اتخاذ قرارات تضر بالاقتصاد المحلي”.

وفي حين أنقذت بريطانيا بتدخلها 2700 وظيفة في مصنع واحد؛ فإن التحرك البريطاني يطرح السؤال: حول مصير آلاف العاملين في الـ30 شركة المطروحة للبيع، وخطط الدولة بشأنهم، خاصة مع تفجر أزمة العامين في شركة غزل المحلة مؤخرا في ظل عمليات التطوير، وطرد مئات العاملين من مساكنهم التابعة للشركة.

يشير أيضا تحرك البرلمان البريطاني بإصدار تشريع يتيح لحكومة لندن السيطرة على شركة الصلب لحماية المصالح الوطنية بعد 6 سنوات من صفقة الاستحواذ الصينية؛ إلى غياب دور مجلس النواب المصري في سن قوانين تحظر بيع أو التخلي عن حصص حاكمة في قطاعات بعينها مثل: الطاقة، والتعدين، والصناعات الثقيلة، وغيرها من القطاعات المرتبطة بالأمن القومي وبحياة أكثر من 120 مليون مصري.

وجبت المراجعة

وفي قراءتها للقرار البريطاني، قالت الأكاديمية المصرية الدكتور عاليا المهدي: “لا أعرف إن كان قرار  شركة الصلب البريطانية سيكون جرس إنذار أم لا لنا في مصر، ولكن كل الدول تتخوف على الصناعات الثقيلة المهمة والاستراتيجية لديها من أية سيطرة غير مرغوب فيها”.

عميدة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة (2008-2011)، وفي حديثها لـ”عربي21″، لفتت إلى أن “القرار البريطاني نابع من المصلحة الوطنية والحفاظ على صناعة الصلب التي تمثل أساس صناعات أخرى كثيرة تتميز بها إنجلترا”.

وأشارت إلى واقعة تاريخية “حينما رفض الكونغرس الأمريكي عام 2006، تولي شركة (موانئ دبي) تطوير وإدارة ميناء (هيوستن)، ورغم رسو العطاء على الشركة الإماراتية تم إلغاء تلك الترسية وسُحبت من موانئ دبي، لأن الكونغرس رأى أن إدارتها لميناء أمريكي مهم أمر غير مقبول، مع وجود شركات أمريكية يمكنها إدارته”.

وخلصت للقول: “الدول يمكن أن تأخذ قرارات مثل القرار البريطاني، لأن الأمن القومي الخاص بها يستدعي ذلك”، مؤكدة أنه “من هذا المنطلق يجب أن نتعلم منهم بأنه ليس كل شيء يباع ويجب ألا يُسمح باستحواذ أجنبي على أي شيئ”.

تحوط غائب وإشكالية خطيرة

من جانبه، أكد رئيس الأكاديمية الأوروبية للتمويل والاقتصاد الإسلامي الدكتور أشرف دوابه، أن “بريطانيا من بدأت ملف خصخصة الشركات الحكومية لديها منذ سبعينيات القرن الماضي؛ لكن كان لديها سياسة متبعة بأن الأشياء الاستراتيجية يكون للدولة فيها حصة باسم (السهم الذهبي)، بحيث لا يكون القطاع الخاص المسيطر على مثل هذه القطاعات الاقتصادية الهامة منفردا”.

الأكاديمي المصري ورئيس التمويل والاقتصاد بجامعة “إسطنبول”، قال لـ”عربي21″، إن “ما يتم طرحه الآن من استعادة بريطانية لشركة الحديد والصلب قرار يسير في ذات الاتجاه، وبعد أن وجدت لندن أن الاستحواذ عليها أصبح بهذه الصورة وأنه قد يمنع بريطانيا من شيء يرتبط به اقتصادها جاء التدخل لإنهاء هذا الوضع”.

ويرى أنه “من الطبيعي أن يكون التحرك الحكومي هكذا بالنسبة للصناعات الاستراتيجية؛ فكافة الأمور الاستراتيجية حتى الخدمات والصناعة والزراعة وأي نشاط اقتصادي إذا كان مرتبطا بأمر استراتيجي خاص بحياة الناس ككل؛ يجب أن يكون للدولة فيه عنصر مؤثر، ولا تترك القطاع الخاص أن يتحرك فيه كما يشاء”.

وأعرب الخبير المصري عن أسفه من غياب “هذا التحوط في مصر، وأنهم ضحوا ببعض الأصول الهامة وغير المصانع الكبرى طال الأمر قطاعي التعليم والصحة، وذلك لسداد مديونيات لقروض خارجية، وهذه الإشكالية الخطيرة الموجودة حاليا”.

ويعتقد دوابه، أن “هذا جرس إنذار يجب أن تستفيد مصر منه لإدارة الأصول الخاصة بها”، مضيفا: “وحتى لو أن هناك فشل في عدد من الشركات الحكومية وبعض شركات القطاع العام وقطاع الأعمال العام، فالأولى للخروج من هذا الوضع أنه يتم تخصيص الإدارة، بدلا من تخصيص الشركات ككل”.

إنذار للمستقبل

وعبر صفحته بـ”فيسبوك”، وصف الخبير الاقتصادي أحمد خزيم، تأميم الشركة البريطانية بأنه “إنذار للمستقبل ولمن يستوعب”، مبينا أن القرار يأتي في توقيت “بريطانيا عاصمة الرأسمالية اقتربت من إشهار إفلاسها بسبب تحكم القطاع الخاص، وعدم وجود إيرادات للدولة، والتعثر الضريبي للمواطنين”، موضحا أنه طالما أكد أن القطاع العام من يستوعب حجم العمالة الكبير في مصر، ويحافظ على السيادة الصناعية للدولة وأصولها باعتبارها أمنا قوميا.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *