العلوم والتكنولوجيا

عشرون عاماً على حرب تموز… ثلاث حروب أعادت رسم لبنان

0 0
Read Time:5 Minute, 7 Second

يسبق كل حرب في تاريخ لبنان اعتقاد بأنها ستكون الأخيرة، لكن التجربة أثبتت العكس. فمنذ حرب تموز 2006، لم يعرف لبنان استقراراً دائماً، بل انتقل من مواجهة إلى أخرى، حتى بدا وكأن الحرب الأولى لم تكن سوى بداية لمسار طويل انتهى بعد عشرين عاماً إلى تبدل جذري في موازين القوى والوقائع السياسية والعسكرية، داخل لبنان وفي الإقليم.

 

خلال عقدين، خاض لبنان ثلاث حروب مفصلية: حرب تموز 2006، ثم حرب إسناد غزة، وأخيراً حرب إسناد إيران. لكل منها ظروفها وأهدافها، إلا أنها شكّلت حلقات متصلة في مسار واحد. وإذا كانت حرب تموز قد مثّلت ذروة صعود حزب الله ومحور المقاومة، فإن الحربين اللاحقتين حملتا مؤشرات واضحة إلى بداية تراجع هذا المسار تحت وطأة التحولات العسكرية والإقليمية.

 

حرب تموز… ذروة الصعود

 

عندما اندلعت الحرب في 12 تموز 2006، أعلنت إسرائيل أن هدفها القضاء على القدرات العسكرية لحزب الله واستعادة الجنديين اللذين أُسرا على الحدود. وبعد 33 يوماً من القتال، انتهت الحرب من دون أن تحقق تل أبيب أهدافها المعلنة، فيما تمكن الحزب من الصمود والاستمرار في إطلاق الصواريخ حتى الساعات الأخيرة.

 

داخل إسرائيل، شكّل أداء القيادة السياسية والعسكرية صدمة كبيرة، دفعت الحكومة إلى تشكيل لجنة “فينوغراد” للتحقيق في إدارة الحرب. وقد خلص تقريرها إلى تحميل المسؤولية للمستويات السياسية والعسكرية العليا، في إقرار نادر بحجم الإخفاق الذي رافق تلك المواجهة.

 

في المقابل، خرج حزب الله من الحرب في ذروة قوته. تحولت عبارة “النصر الإلهي” إلى عنوان المرحلة، وبرز أمينه العام حسن نصرالله بوصفه الشخصية العربية الأكثر حضوراً وتأثيراً، ليس فقط داخل البيئة الشيعية، بل في الشارع العربي أيضاً. وبات الحزب يتمتع بنفوذ سياسي وشعبي غير مسبوق داخل لبنان، فيما تعزز موقعه داخل المحور الذي تقوده إيران، مستفيداً من التحالف الوثيق مع النظام السوري الذي وفر له العمق الاستراتيجي وخطوط الإمداد والتسليح.

 

ورغم الدمار الواسع الذي أصاب الضاحية الجنوبية والجنوب والبنية التحتية اللبنانية، والآلاف من الضحايا والمهجرين، نجح الحزب في تحويل نتائج الحرب إلى رصيد سياسي استمر سنوات. وفي الوقت نفسه، أفرزت الحرب معادلة جديدة تمثلت بصدور القرار 1701، وانتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني بالتعاون مع قوات اليونيفيل، لتبدأ مرحلة جديدة من إدارة الحدود الجنوبية، من دون أن يحسم ذلك الجدل الداخلي حول مستقبل سلاح الحزب.

 

حرب إسناد غزة… بداية التآكل

 

بعد سبعة عشر عاماً، عاد الجنوب إلى الحرب، لكن المشهد كان مختلفاً تماماً.

 

فالمواجهة التي انطلقت تحت عنوان “إسناد غزة” لم تتحول إلى حرب خاطفة، بل إلى حرب استنزاف طويلة، استهدفت خلالها إسرائيل بصورة منهجية البنية القيادية والعسكرية لحزب الله، مستخدمة أدوات استخباراتية وتكنولوجية غير مسبوقة.

 

التحول الأكبر تمثل في اغتيال الأمين العام السيد حسن نصرالله، في حدث يعدّ الأخطر في تاريخ الحزب منذ تأسيسه. فالرجل لم يكن مجرد قائد تنظيمي، بل كان مهندس المشروع السياسي والعسكري للحزب طوال أكثر من ثلاثة عقود، ورمز “انتصار تموز” في الوعي الجماعي لبيئته، وأحد أكثر الشخصيات تأثيراً في الحياة السياسية اللبنانية والإقليمية. لذلك، لم يكن غيابه مجرد خسارة قيادية، بل شكّل ضربة معنوية وسياسية وتنظيمية أصابت الحزب في عمق هويته ورمزيته.

 

ولم تقتصر الخسائر على القيادة. فقد اغتيل عدد كبير من القادة العسكريين والميدانيين، وتعرضت بنى عسكرية ولوجستية لضربات متتالية، فيما شهد الجنوب عمليات نزوح واسعة ودماراً كبيراً طال قرى بأكملها، في وقت كان لبنان يعيش أصلاً انهياراً مالياً واقتصادياً غير مسبوق، ما جعل كلفة الحرب مضاعفة مقارنة بعام 2006.

 

سياسياً، أعادت الحرب ملف سلاح حزب الله إلى واجهة النقاش الداخلي والخارجي. فبعدما كان التركيز طوال سنوات على تثبيت معادلة الردع، انتقل المجتمع الدولي إلى الحديث عن التطبيق الكامل للقرار 1701، وتعزيز دور الجيش اللبناني، وحصر قرار الحرب والسلم بمؤسسات الدولة، باعتبار ذلك شرطاً أساسياً لأي استقرار مستقبلي.

 

حرب إسناد إيران… تبدل البيئة الاستراتيجية

 

إذا كانت حرب إسناد غزة قد استنزفت حزب الله، فإن حرب إسناد إيران نقلت لبنان إلى مرحلة مختلفة بالكامل.

 

فالحرب لم تعد مرتبطة بغزة وحدها، بل أصبحت جزءاً من المواجهة المباشرة بين إيران من جهة، وإسرائيل، بدعم أميركي سياسي وعسكري واسع، من جهة أخرى. وبذلك، وجد لبنان نفسه مرة جديدة ساحة متقدمة لصراع إقليمي يتجاوز حدوده، فيما باتت تطورات الجبهة اللبنانية مرتبطة مباشرة بمسار المواجهة الأوسع في المنطقة.

 

لكن التحول الأعمق لم يكن عسكرياً فقط، بل استراتيجياً أيضاً.

 

فخلال هذه المرحلة، فقد حزب الله أحد أهم عناصر قوته التاريخية مع التغيير الذي شهدته سوريا. فالنظام الذي شكّل طوال عقود الحاضنة السياسية والاستراتيجية وخط الإمداد الرئيسي للحزب، سقط، وحلّت مكانه سلطة جديدة تختلف جذرياً في مقاربتها للعلاقة مع الحزب وإيران. وتحولت الحدود السورية، التي كانت ممراً آمناً للسلاح والذخائر والدعم اللوجستي، إلى مصدر ضغط وتحديات أمنية وسياسية، بعدما انتقلت دمشق من موقع الحليف الوثيق إلى موقع لا يخفي تباعده، بل خصومته، مع الحزب في ملفات عديدة.

 

هذا التحول الاستراتيجي ترافق مع ضغوط أميركية وعربية ودولية متزايدة لإعادة بناء المنظومة الأمنية اللبنانية على أسس جديدة، يكون الجيش اللبناني في صلبها، مع ربط أي دعم اقتصادي أو إعادة إعمار أو مساعدات خارجية بمسار إصلاحي وسيادي واضح، يتقدم فيه ملف حصرية السلاح بيد الدولة.

 

عشرون عاماً… من معادلة الردع إلى سؤال الدولة

 

بعد مرور عشرين عاماً، تبدو الحروب الثلاث وكأنها فصول في قصة واحدة.

 

فحرب تموز 2006 كرست صعود حزب الله إلى ذروة نفوذه العسكري والسياسي والإقليمي، ورسخت معادلة ردع جديدة مع إسرائيل، فيما منحت محور المقاومة شعوراً بأنه دخل مرحلة المبادرة.

 

لكن حرب إسناد غزة بدأت تقلب هذه المعادلة، مع استنزاف غير مسبوق للقيادة والبنية العسكرية، واغتيال نصرالله الذي كان يمثل رمز تلك المرحلة.

 

ثم جاءت حرب إسناد إيران لتكشف أن التحولات لم تعد تقتصر على ميزان القوى مع إسرائيل، بل شملت البيئة الإقليمية بأكملها، من دمشق إلى طهران، ومن دور الولايات المتحدة إلى إعادة رسم أولويات المجتمع الدولي تجاه لبنان.

 

ولعل المفارقة الأبرز أن السؤال الذي انقسم حوله اللبنانيون بعد حرب تموز لا يزال مطروحاً بعد عشرين عاماً، لكن في سياق مختلف تماماً. ففي عام 2006 كان النقاش يدور حول كيفية حماية معادلة الردع التي أفرزتها الحرب، أما اليوم، وبعد ثلاث حروب متتالية وتبدلات إقليمية عميقة، فقد أصبح النقاش يتمحور حول كيفية إعادة بناء الدولة، ومن يحتكر قرار الحرب والسلم، وكيف يمكن إخراج لبنان من موقع الساحة المفتوحة لصراعات الآخرين إلى موقع الدولة القادرة على حماية نفسها ومصالحها الوطنية.

 

إنها مفارقة عقدين كاملين: الحرب التي شكّلت ذروة صعود حزب الله، كانت أيضاً، من حيث لا يدري كثيرون يومها، بداية مسار طويل انتهى بإعادة رسم التوازنات التي صنعتها، وبإعادة طرح الأسئلة نفسها حول الدولة والسيادة والسلاح، ولكن في شرق أوسط مختلف، ولبنان مختلف، وموازين قوى مختلفة.

 

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *