ترامب يُورّط إنفانتينو… وقضيّة بالوغون تكشف مشروع “أمركة كرة القدم”
من يحكم كرة القدم، الحكام، أم لوائح الاتحاد الدولي، أم الهواتف السياسية؟… السؤال الأكثر تداولاً في أروقة اللعبة الشعبية في خضم منافسات كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، ومردّ هذا الطرح هو قضية اللاعب الأميركي فولارين بالوغون، التي تخطت مجرد بطاقة حمراء أُلغي أثرها قبل مباراة في كأس العالم، بل تحولت إلى واحدة من أخطر الأزمات التي واجهها الاتحاد الدولي “فيفا” في تاريخه الحديث.
أسئلة كثيرة باتت تمثل انتقادات لاذعة لأهم منظمة رياضية في العالم، إذ باتت قوانينها عرضة للتغيير بمجرد اتصال أو إيعاز من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وبالتالي موازين القوة السياسية قد تصبح الوصيّ الحقيقي على قوانين اللعبة، عندما يتعلق الأمر بالدولة الأقوى في العالم.
ورطة إنفانتينو
تقارير عديدة كشفت عن ورطة كبيرة لرئيس الفيفا جياني إنفانتينو، الذي تلقى اتصالاً من ترامب، ما سيسبّب ضرراً لا يكمن فقط في السماح لبالوغون بالمشاركة أمام بلجيكا في مواجهة ربع النهائي، بل في أن الفيفا وضع نفسه طواعية تحت شبهة التبعية السياسية.
وأكد ترامب أنه طلب من إنفانتينو، مراجعة قرار طرد بالوغون، واصفاً إياه بـ”المروّع”، لكنه نفى طلبه إلغاءه. وانتقد ترامب الحكم البرازيلي رافايل كلوس الذي اتخذ القرار، واصفاً إياه بأنه “مثير للريبة بعض الشيء إذا ما تم التحقق من سجله”.
الرد الأقسى جاء من الاتحاد الأوروبي “يويفا”، إذ لم يستخدم لغة ديبلوماسية، موجهاً اتهاماً صريحاً إلى الفيفا بأنه “تجاوز الخط الأحمر”، ووصف الاتحاد القاري قرار نظيره الدولي بأنه “غير مفهوم وغير قابل للتبرير”، محذرًا من أنه “عندما لا يعود حراس اللعبة يضمنون يقين القواعد، فإن نزاهة اللعبة تصبح على المحك”.

“هذه لعبتنا، وليست لعبتهم”
الأمر لم يتوقف عند المؤسسات، حيث انهالت الانتقادات من كل حدب وصوب، إلا أن أكثرها وقعاً كان كلام مدرّب منتخب ألمانيا الجديد يورغن كلوب، وهو من أكثر الشخصيات احتراماً في كرة القدم الحديثة، حيث اختصر الأزمة كلها بجملة ستبقى عالقة طويلًا: “هذه لعبتنا، وليست لعبتهم”. ثم وجّه ضربة مباشرة إلى ترامب وإنفانتينو بقوله: “إن كان ترامب وإنفانتينو رتّبا هذا الأمر بينهما فعلاً، فهذا جنون… إنه يضع كل شيء موضع شك”. وأضاف عبارته الأكثر قسوة: “هذان الشخصان، وكلاهما لا يعرف شيئاً عن كرة القدم، لا ينبغي أن يكون لهما أيّ دور فيها”.
من جهته، أعرب الاتحاد البلجيكي عن “دهشته”، وبدأ دراسة كل الخيارات القانونية، فيما تهكّم مدرّب منتخب “الشياطين الحمر” رودي غارسيا، قائلاً: “لم أكن أعلم أن الخامس من يوليو أصبح الأول من أبريل”.
يتيقن الكثير من المتابعين بأن الفيفا غيّر قواعد البطولة وهي لا تزال قائمة، لكن ما يجعل قضيّة بالوغون أخطر من أيّ جدل تحكيمي سابق أنها لا تبدو حادثة منفصلة، بل تأتي كحلقة جديدة في مسار بدأ منذ أكثر من عقد.
مسار التدخل الأميركي
في عام 2015، قادت الولايات المتحدة، عبر وزارة العدل والأجهزة الأمنية، أكبر حملة قضائية ضد الفيفا في تاريخه. تلك الحملة لم تُسقط أسماءً كبيرة فحسب، بل أعادت تشكيل موازين القوة داخل المنظمة. ومنذ وصول جياني إنفانتينو إلى الرئاسة، أخذت الولايات المتحدة تتحوّل تدريجاً من سوق مهمة لكرة القدم إلى مركز نفوذ داخلها، على غرار توسيع كأس العالم الى مشاركة 48 منتخباً، كأس العالم للأندية الجديدة، الاستثمارات الأميركية، النفوذ التجاري، العلاقة الشخصية الوثيقة بين إنفانتينو وترامب، وصولاً إلى قضية بالوغون، كل محطة تبدو منفصلة، لكن جمعها معاً يرسم صورة مختلفة تماماً.
إنفانتينو مجرد دمية
ورأى المرشح الرئاسي السابق لـ”فيفا” السيناتور الترينيدادي ديفيد ناكيد أن “الفيفا فقد كل مصداقيته”. وقال في تصريح خاص لـ”النهار”: “ما تثبته هذه الحادثة هو أن الفيفا خسر كل مصداقيته، لا فقط من خلال الموافقة على طلب الرئيس الأميركي دونالد ترامب القاضي بإلغاء البطاقة الحمراء بحق اللاعب فولارين بالوغون، بل لأن القرار يتنافى مع قواعد العدالة الطبيعية كافة، وتحديداً مع مبدأ الإنصاف تجاه بقيّة المنتخبات المشاركة”.

وأضاف المحامي ناكيد: “لا ندري لماذا لا يتخذ الاتحاد البلجيكي لكرة القدم موقفاً أكثر حزماً ممّا حصل. ربما يكون باشر خطوات معينة، لكنه مطالب باتخاذ موقف استباقي أقوى، وكذلك الاتحادات الأوروبية الأخرى، لمواجهة ما قام به دونالد ترامب وما قبله جياني إنفانتينو”.
وتابع قائد منتخب ترينيداد وتوباغو السابق: “صراحةً، ما يقلقني ليس الطلب الذي صدر عن ترامب، بل موقف إنفانتينو وقدرته على حماية هذه اللعبة الدولية، وهي اللعبة العزيزة جداً على قلوبنا كلاعبين ومدربين وإداريين”.
وأردف: “أثبت إنفانتينو أنه مجرد دمية يجري التلاعب بها، وبذلك تحوّل إلى مصدر خزي وعار كرئيس للاتحاد الدولي”. وأضاف: “ومن هذا المنطلق، أرى أن على لبنان سحب الجنسية الفخرية التي مُنحت له، فهو لم يقدم أي شيء لمساعدة فلسطين أو لبنان، رغم كل ما تعرّضا له”.
وختم ناكيد بالقول: “لقد انتهك الفيفا بشكل فاضح لوائحه الخاصة، وأقدم على سابقة خطيرة عندما ألغى عملياً مفاعيل بطاقة حمراء صدرت بحق لاعب استجابةً لطلب رئيس دولة. هذه الواقعة وصمة عار ستلازم كرة القدم، والكل مدعوّون إلى إعلان رفضهم استمرار مسؤول يتصرّف بهذه الطريقة، في موقع رئاسة الاتحاد الدولي لكرة القدم”.
استقلالية كرة القدم؟
إن أخطر ما فعله ترامب، هو وضع جياني إنفانتينو في موقع يصعب عليه الخروج منه، حيث سيلاحق رئيس الفيفا مستقبلاً سؤال واحد في كل قرار مثير للجدل “هل صدر القرار وفق القانون… أم وفق ميزان القوة؟”.

قضيّة بالوغون قد تنتهي بانتهاء مباراة الولايات المتحدة وبلجيكا، أما أزمة الفيفا فيبدو أنها ستطول، لأن الجميع في عائلة كرة القدم العالمية يخضعون للقواعد نفسها. فأصبحت المعركة اليوم تتجاوز بالوغون، وتتجاوز ترامب، وحتى إنفانتينو، إنها معركة حول مستقبل اللعبة، التي يراد لها أن تحافظ على استقلاليتها كلعبة تتحدث بلغتها شعوب العالم قاطبة، ولا يراد لها أن تصبح بالتدريج جزءاً من منظومة النفوذ السياسي الأميركي.
