البنوك المركزية حول العالم تقلّص احتياطياتها من الدولار
نشر موقع “إندبيندينتي” تقريرًا يسلّط الضوء على تسارع توجه البنوك المركزية عالميًا نحو خفض الاعتماد على الدولار الأمريكي، في ظل صعود الذهب والعملات البديلة كأدوات لتنويع الاحتياطيات.
وقال الموقع، في التقرير الذي ترجمته “عربي21″، إن غالبية البنوك المركزية في العالم أعربت عن نيتها خفض انكشافها على الدولار الأمريكي خلال العقد المقبل، مواصلةً ومسرّعةً بذلك مسار إزالة الدولرة الجاري منذ فترة، ولا سيما منذ اندلاع الصراع الروسي الأوكراني في عام 2022. وقد كشف عن ذلك استطلاع أجراه أحد أهم مراكز الأبحاث المستقلة المعنية بالبنوك المركزية والاستثمارات العامة، وهو منتدى المؤسسات النقدية والمالية الرسمية.
وتُعد هذه المرة الأولى التي ترصد فيها الدراسة التي أجراها المنتدى هذا القدر من الابتعاد عن الدولار، رغم أن البنوك المركزية بدأت منذ عدة سنوات في زيادة احتياطياتها من الذهب، مستبدلةً تدريجيًا العملة الأمريكية. وبالإضافة إلى ذلك، ووفقًا للدراسة، ترى 79 بالمئة من البنوك المركزية و60 بالمئة من الصناديق العامة أن النظام النقدي العالمي ينتقل إلى نظام “متعدد الأقطاب”، وهو ما يعكس التحولات الجيوسياسية الجارية.
اظهار أخبار متعلقة
وعلى وجه الخصوص، ووفقًا للدراسة، يُعد الذهب الأصل الأكثر إقبالًا في الوقت الراهن من جانب البنوك المركزية؛ إذ أن المعدن الأصفر “أصبح عنصرًا محوريًا في استراتيجية إدارة الاحتياطيات”، وهو، على المدى القصير، الأصل الذي تتوقع المؤسسات المركزية زيادة مراكزها فيه على نحو أكبر، حيث يعتزم 30 بالمئة من المشاركين في الاستطلاع رفع حجم تخصيصاتهم له خلال العام أو العامين المقبلين. ولهذه الأسباب، بلغ المعدن الأصفر، الذي تحتفظ به حاليًا 82 بالمئة من البنوك، مستويات سعرية قياسية خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح الموقع أنه بعد الذهب مباشرة، تتمثل عناصر الجاذبية الرئيسية في اليورو واليوان الصيني، رغم أن المشاركين في الاستطلاع يرون أن التحديات الهيكلية الراهنة قد قلّصت جاذبية كلتا العملتين. وعلى أي حال، يعتبر جميع المشاركين تقريبًا في الاستطلاع العملة الصينية أداة صالحة لتنويع المحافظ الاستثمارية.
وثمة جانب آخر جدير بالاهتمام، وهو أن العملات الواقعة خارج قائمة العملات الثماني الأولى تكتسب تدريجيًا مساحة أكبر بوصفها احتياطيات نقدية أجنبية؛ وعلى وجه الخصوص، سعت البنوك إلى زيادة انكشافها على الكرونة النرويجية والدولار النيوزيلندي.
وكشف الاستطلاع أيضًا عن اهتمام أكبر بالأسواق الناشئة؛ إذ يتوقع 38 بالمئة من الصناديق العامة العالمية زيادة تخصيص الموارد نحو الاقتصادات الناشئة، مقارنةً بنسبة 27 بالمئة في العام الماضي. كما تجاوز الاهتمام بزيادة الاستثمارات في الأسواق الناشئة الطلب على زيادة الاستثمارات في الاقتصادات المتقدمة، الذي تراجع إلى 25 بالمئة مقابل 47 بالمئة في العام الماضي.
اظهار أخبار متعلقة
وبحسب الموقع فإن هناك جانب آخر مثير للاهتمام رصدته الدراسة يتعلق باباستخدام الذكاء الاصطناعي؛ فوفقًا للتقرير، يتوقع أكثر من 66 بالمئة من البنوك المركزية زيادة دمج الذكاء الاصطناعي على المدى القصير، ولا سيما لمواجهة مشكلة التقلبات، التي باتت هذه البنوك تعتبرها حالة دائمة في النظام المالي بسبب الاضطرابات الجيوسياسية، وكذلك لإدارة تحليل البيانات ووظائف المكاتب الخلفية.
وأضاف الموقع أنه في هذا السياق، تُلاحظ فجوة بين البنوك المركزية في الدول المتقدمة ونظيراتها في الدول الناشئة؛ إذ أن أكثر من 89 بالمئة من البنوك الأولى تستخدم الذكاء الاصطناعي، مقابل 60 بالمئة من البنوك الثانية، التي تتوقع زيادة المخصصات خلال العام أو العامين المقبلين.
وكان تقرير صادر عام 2024 عن مجلس الذهب العالمي قد أكد بالفعل أن عام 2023 كان العام الثاني على التوالي الذي تجاوزت فيه المشتريات الصافية من المعدن الأصفر من جانب البنوك المركزية مستوى 1,000 طن؛ ففي عام 2023 بلغت مشتريات الذهب نحو 1,030 طنًا، بعد الرقم القياسي البالغ 1,082 طنًا في عام 2022. أما في الربع الثاني من عام 2024، فقد بلغت المشتريات الصافية نحو 183 طنًا، بزيادة قدرها 6 بالمئة على أساس سنوي.
كما صرّح الرئيس التنفيذي لشركة جيه بي مورغان أسيت مانجمنت مؤخرًا بأن الدولار الأمريكي يزداد ضعفًا، ولا سيما بسبب المخاوف المرتبطة بالمستويات المرتفعة للديون في أكبر اقتصاد في العالم.
وقد أدى تحديدًا الارتفاع غير المنضبط في الدين العام الأمريكي والتوترات الجيوسياسية المسجّلة على المستوى العالمي، ليس فقط إلى تراجع قيمة الدولار وتقلبات عملات أخرى، بل جعل أيضًا منتجات مالية أخرى أكثر اضطرابًا، مثل الأسهم والسندات والعقود المشتقة وغيرها من سندات الدين. وقد دفع ذلك المستثمرين والبنوك المركزية إلى البحث عن قاعدة مالية صلبة في المعدن الأصفر تحديدًا، الذي يحافظ على استقرار قيمته بمرور الوقت من دون أن يتأثر بتقلبات السوق أو الاضطرابات الاقتصادية والجيوسياسية.
وفضلًا عن ذلك، أسهم استخدام الدولار كسلاح للابتزاز المالي في تآكل ثقة كثير من الدول في “الورقة الخضراء”، ولا سيما الاقتصادات الناشئة. وتؤدي كل هذه العوامل إلى تقليص الاحتياطيات المقومة بالدولار وزيادة احتياطيات الذهب والعملات الأخرى، بما يمنح ظاهرة إزالة الدولرة زخمًا جديدًا.
واختتم الموقع تقريره بالتأكيد على أن هذه الظاهرة، بدورها، تبدو حاسمة في تغيير موازين القوى والتوازنات الاقتصادية والسياسية على المستوى الدولي، معلنةً بصورة أكثر وضوحًا أفول الهيمنة المالية الغربية.
