ماذا وراء كلام أردوغان أنّ أمن تركيا يبدأ من بيروت ودمشق؟
محدودة جداً كانت ردود الفعل في بيروت، على التصريح المفاجئ الذي أطلقه قبل أيام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وفيه أن أمن بلاده يبدأ من بيروت ودمشق. لكن الراصدين للتطورات الإقليمية الدراماتيكية لم يتعاملوا مع هذا الكلام على أنه “زلة لسان”، بل إنهم أنزلوه منزلة رفيعة، وهم في رحلة بحث واستشراف عن آفاق المرحلة الإقليمية المتحولة والمتحركة.
معلوم أنه منذ السقوط المدوي لنظام بشار الأسد وقبض حلفاء تركيا على زمام الحكم هناك، الذي تزامن مع توجيه إسرائيل ضربات قاصمة إلى “حزب الله” في لبنان، سارعت تل أبيب إلى خطوتين استراتيجيتين:
الأولى تجسّدت في التحلل من اتفاق الهدنة بينها وبين لبنان، المعروف باتفاق 27 تشرين الثاني، بعدما انطلقت في ضربات استباقية ضد المنظومة العسكرية للحزب وبيئته الحاضنة للحؤول دون إعطائه أي فرصة لاعادة استنتهاض نفسه.
وتجسدت الثانية في توجيه ضربات قاصمة أيضاً إلى بقايا الجيش السوري عبر استهدافٍ مباشر لمعسكراته ومطاراته ومخازن الصواريخ، مقرونة بالتقدم البرّي إلى مناطق جنوب دمشق.
الرسالة الإسرائيلية
فهمت أنقرة بطبيعة الحال أن إسرائيل لم تكن تستهدف القوة العسكرية السورية فحسب، بل كانت تريد أيضاً أن تُرسّم حدوداً لاحتمالات التقدم التركي في العمق السوري، خصوصاً بعد انتشار معلومات تفيد بأن الطائرات الحربية الإسرائيلية قصفت مواقع في العمق السوري، كانت تركيا اتخذتها رأس جسر لتثبيت معسكرات لها لاحقاً.
وإذا كانت أنقرة قد استوعبت الرسالة الإسرائيلية العنيفة، ومفادها أنه ممنوع عليها منعاً باتاً أن تسارع إلى ملء الفراغ المدوي الذي تركته هزيمة إيران في دمشق وبيروت، فقد ظلت تبعث بإشارات إلى من يعنيهم الأمر أنها ليست في وارد الإذعان والاستسلام.
لذا، فهي وإن أوقفت “تقدمها” البري في العمق السوري، ما لبثت أن بدات بهجمات مضادة تعبّر عن رفضها الأمر الواقع الذي رسمت الذراع الإسرائيلية حدوده بالنار.
أبعاد مهمة
يقول الخبير في الشأن التركي الدكتور محمد نور الدين لـ”النهار ” إن قول أردوغان إن أمن بلاده يبدأ من بيروت، ينطوي على أبعادٍ مهمة في التطورات الإقليمية، “فهو يعبّر أولاً عن أن تركيا طفح كيلها من التوغل الإسرائيلي الذي تجاوز كل الخطوط الحمر وضاقت ذرعاً به، ويفصح أيضاً عن أن بلاده معنية مباشرة بما يحصل من تطورات تطيح المعادلات، وأنها لن تقف مكتوفة، بل إنها مستعدة بالتعاون مع سوريا وإيران وقوى أخرى في الإقليم للتصدي والمواجهة”.
وثمة ما يؤكد أيضاً، وفق نور الدين، أن أنقرة لا تريد ضمناً أن تخرج إيران من الحرب الإسرائيلية – الأميركية عليها في وضع الخاسر والمهزوم، بل أن تبقى في وضع الصامد والقادر على المواجهة لاعتباراتٍ استراتيجية تهمّ مستقبل تركيا وموقعها ودورها الإقليمي.
وبناء عليه، أطلقت تركيا بهدوء وسلاسة العديد من الخطوات التي تثبت أنها ليست مستعدة للاستسلام للمشيئة الإسرائيلية وترك الميدان أمامها، وهو ما يفضي إلى محاصرة تركيا من بوابة بيروت أو من دمشق.
ومن هذه الخطوات:
-إعلاء الصوت تكراراً اعتراضاً على النهج الاسرائيلي في لبنان.
-لم يكن عابراً أن تكشف أنقرة عن علاقات تربطها بـ”حزب الله” عندما استدعت وفداً منه للمشاركة في مؤتمر لدعم القضية الفلسطينية عقد في إسطنبول أخيراً.
– سرت معلومات في محافل في بيروت فحواها أن الاندفاعة السورية الأخيرة في اتجاه لبنان، ومن تجلياتها زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني لبيروت وبرنامج لقاءاته الحافل فيها وزيارته طرابلس، إنما تتم بالتنسيق مع أنقرة، وتنطوي على رسالة واضحة مفادها أن لدمشق وأنقرة معاً ملاحظاتهما ومخاوفهما على وثيقة الاتفاق الثلاثي الموقّعة في واشنطن.
