من بوابة شركة بريطانية.. الاحتلال يدخل علنا إلى قطاع النفط المصري
كشفت وكالة رويترز، للأنباء، الأربعاء عن صفقة استحواذ شركة “ريشيو بتروليوم” الإسرائيلية على شركة “فاروس إنرجي” البريطانية في صفقة تبلغ 124.3 مليون جنيه إسترليني (164 مليون دولار)، تتيح للأولى التي تتخذ من تل أبيب مقرا لها الوصول لأصول إنتاج النفط والغاز في مصر وفيتنام.
الاتفاق، الذي سبب صدمة في الأوساط المصرية، خاصة مع إطلاق خبراء اقتصاد وسياسيون ومعارضون تحذيرات سابقة من استحواذ الاحتلال على شركات مصرية عامة وحكومية أو أراضي استراتيجية أو آبار نفط وحقول غاز؛ حصلت فيه “ريشيو بتروليوم” على تأييد مجلس إدارة “فاروس إنرجي” المسجلة ببورصة لندن، إلى جانب دعم 42 بالمئة من مساهمي رأس المال، مقابل 28 بنسا للسهم.
وتأتي الصفقة المشروطة بالحصول على موافقات الجهات التنظيمية في فيتنام ومصر، والمتوقع إتمامها في النصف الأول من عام 2027؛ بعد حصول “فاروس إنجي”، في حزيران/ يونيو الجاري على مستحقاتها المتأخرة منذ 7 سنوات لدى “الهيئة المصرية العامة للبترول” ومنها 12.6 مليون دولار خلال العام الجاري، ما دفعها لإعلان استئناف أعمال الحفر في حفر 6 آبار جديدة.
حجم أصول “فاروس إنجي”
“فاروس إنجي” هي الكيان الذي ورث شركة “سوكو إنترناشونال”، البريطانية التي تأسست عام 1997، وكانت تمتلك استثمارات واسعة بأفريقيا وتغير اسمها في تشرين الأول/أكتوبر 2019، بسبب أنشطة غير قانونية منها: (تقديم رشا، ودعم جماعات مسلحة، والتنقيب في محميات طبيعية)، حين كانت تعمل بالكونغو وأنغولا.
الكيان الجديد غادر وسط وجنوب غرب أفريقيا وركز أعماله في مصر وفيتنام والاحتلال، حيث بدأت أولى استحواذات “فاروس إنجي”، على أصول الطاقة المصرية في نيسان/إبريل 2019، لتصبح الشريك الأجنبي بشركة “بتروسيلة” المصرية.
و”بتروسيلة”، نشأت بشراكة استراتيجية بين “الهيئة المصرية العامة للبترول”، و”فاروس إنرجي” بواقع 45 بالمئة للأخيرة، حيث تقع مناطق امتيازها للتنقيب عن النفط والغاز وإنتاج المواد الهيدروكربونية بالصحراء الغربية في امتيازي شمال بني سويف، والفيوم، عبر 12 رخصة تنمية رسميا، و3 مناطق استكشاف جديدة.
وفي عام 2021، استحوذت الشركة البريطانية بالتعاون مع شركة “شيرون” الأمريكية على الأصول البرية لشركة “شل” البريطانية في الصحراء الغربية، وذلك مقابل 926 مليون دولار، لتضم 13 امتيازا بريا، بجانب حصتها في شركة “بدر الدين للبترول” بحسب منصة “الطاقة”.
وفي تشرين الأول/أكتوبر 2024، طالبت “فاروس إنرجي”، مصر بالسماح لها دمج امتيازاتها بالفَيّوم وشمال بني سويف، لتبدأ حفر بئر استكشافي بالفَيّوم آب/ أغسطس 2024، بين حقلي “سعد” و”عين أسلين” المنتجين، مستهدفة طبقات حقل “أبورواش G”، بما يزيد احتياطيات وإنتاج الشركة التي أعلنت عام 2023 عن خطط لتطوير 9 آبار بالفيوم، بعد دخول 7 آبار الإنتاج في 2022.
اظهار أخبار متعلقة
وخلال 2024، بلغ متوسط إنتاج “فاروس إنرجي”، في مصر بين 1300 و1500 برميل نفط مكافئ يوميا، مع احتياطيات مثبتة 14.4 مليون برميل مكافئ، وأرباح بلغت 14 مليون دولار بالنصف الأول من ذلك العام.
وفي أيار/مايو الماضي قالت الرئيسة التنفيذية لـ”فاروس إنرجي” كاثرين رو، إن أحوال الشركة المادية تحسنت بعد دفع مصر 12.4 مليون دولار لها، معلنة عن حفر جديد لـ 6 آبار بالفيوم وشمال بني سويف، وانهاء حفر بئر “Silah 8-2″، خلال حزيران/يونيو الجاري، مع خطط لاستثمار 11 مليون دولار في مصر.
وتأثرت فاروس إنرجي بالأوضاع الاقتصادية والأزمات المالية في مصر، كما شهدت أزمة مطلع العام 2023، مع وصول سعر صرف الدولار 30 جنيها من 15 جنيه، حيث رفضت سداد مستحقاتها البالغة 24.2 مليون دولار حتى نهاية 2022، بالجنيه مطالبة الحكومة المصرية دفعها بالدولار.
أمنية الاحتلال بامتياز
أما “ريشيو بتروليوم”، التابعة للاحتلال فهي مسجلة ببورصة تل أبيب منذ عام 1993، وهي مكتشفة حقل “لفياثان” للغاز بالبحر المتوسط، وتنقب عن النفط والغاز في: “غويانا، وسورينام، وأيرلندا والفلبين”، وحصلت عام 2021 على امتياز تنقيب عن النفط والغاز بالمغرب؛ ويديرها إيتان أيزنبرج، وشركاؤه من عائلتي لانداو وروتليفي، وتعتزم بيع حصة من أصول “فاروس إنرجي” في مصر لطرف ثالث، دون أن تذكر ذلك الطرف.
وبحسب صفحة الشركة عبر الإنترنت، فإن هناك ارتباطات واسعة للشركة ومؤسسيها بتأسيس دولة الاحتلال، وتقديم الخدمات اللوجستية والأمنية والاستخباراتية للاحتلال.
ويعد يشعياهو (شايكي) لاندو، أحد مؤسسي مجموعة ريشيو، في أوكرانيا عام ١٩٢٧، ثم هاجر إلى الأراضي المحتلة عام 1946، وكان من مؤسسي لواء غولاني، وأنهى خدمته العسكرية برتبة رائد، وعقب حرب 1967، فاز بمناقصات وزارة حرب الاحتلال لبناء مطارات وقواعد لجيش الاحتلال في سيناء.
كما بنت شركة لاندو مطار “عنتيبي”، وبعد سنوات، زود الجيش بمخططات المطار الأوغندي، لتستخدمها قوات الكوماندوز بعملية عنتيبي، الشهيرة عام 1976، والسيطرة على طائرة بها 103 إسرائيليين، اختطفها فلسطينيون للمطالبة بإطلاق سراح سجناء لدى الاحتلال.
وفي عام 1992، أسست عائلتا لاندو، وديفيد روتليفي، شركة “ريشيو” لاستكشاف النفط، بالتعاون مع الجيولوجي إيتان آيزنبرغ، وأُدرجت ببورصة تل أبيب بالعام التالي، ليشارك الأخير كنائب رئيس الشركة حتى عام 2024، في رفع إنتاج حقول النفط في سيناء إلى 120 ألف برميل يوميا.
وأطلق آيزنبرغ، عمليات التنقيب عن النفط في خليج السويس، وشغل منصب الرئيس التنفيذي لشركات نفط أمريكية استثمرت باستكشاف النفط في الأراضي الفلسطينية المحتلة وسيناء، فيما كان أول من اكتشف الإمكانات الجيولوجية لحقل غاز “ليفياتان”.
وتأتي هذه الصفقة في ظل ما يشهده ملف الطاقة المصري من تقلبات وأزمات وانتقال حصص واستحواذات مثيرة للجدل ومخاوف المصريين من وصول بعض تلك الأصول والحقول النفطية وآبار الغاز إلى شركات إسرائيلية، وهو ما تحقق مع الصفقة المعلن عنها اليوم.
الأمر الذي دفع مراقبين ومحللين للكشف عن مخاوفهم من أن تمثل الصفقة اختراقا إسرائيليا لملف إنتاج الطاقة في مصر، بعد اختراق تل أبيب ملف استيراد الغاز المصري والتحكم في الإمدادات عبر اتفاقيتي 2018 و2025، وتحقق مخاوف المعارضة المصرية على مدار سنوات من انتقال صفقات بمجال الطاقة المصري للاحتلال.
الاستيفاء الدستوري؟
وفي قراءته للصفقة، أوضح رئيس حزب “الخضر” المصري محمد عوض، أن “اتفاقيات التنقيب والشراكة في عمليات قطاع البترول تعد قانونا من اتفاقيات الامتياز التي تتطلب موافقة (البرلمان)، وليس (هيئة البترول)، كما يردد البعض”، مبينا أن “وزير البترول ليس مفوضا قانونا بمنح عقود امتياز البحث والتنقيب عن الغاز والنفط، خلافا لما لدى وزير الكهرباء من صلاحيات”.
وفي حديثه لـ”عربي21″، قال عضو مجلس الشوري المصري سابقا: “ومن ثم، فإن أية اتفاقية للاستكشاف والشراكة يجب عرضها أولا وقبل دخولها حيز التنفيذ على البرلمان المصري، سواء كانت اتفاقية جديدة أو تعديل على اتفاقية قائمة”، موضحا أنه “في عقود الامتياز تمثل شخصية المتقدم للحصول على الامتياز أحد عناصر التقييم للموافقة أو الرفض”.
عوض، أعرب عن أسفه من أن “كثيرا من عمليات تداول الحصص في عقود الامتياز بقطاع البترول جرت سابقا دون مراعاة هذا الاستيفاء الدستوري”، مؤكدا أن “الموافقة يمكنها تجاوز البرلمان واعتمادها من هيئة البترول، إذا كان هناك تفويض قانوني منحه البرلمان للوزير المختص في هذا الشأن”، مبينا أنه “وفق علمي واطلاعي على الملف فهذا لم يحدث”.
صراع مكامن الطاقة
وأشار السياسي المصري المهتم بملف الطاقة إلى نقطة جوهرية ثانية، تتلخص في أن “التنافس بين حكومات بلدان منطقة الشرق الأوسط والمنطقة العربية وصل ذروته منذ ما يزيد عن عقد زمني كامل على ملف مكامن الطاقة”.
وألمح إلى أن “هذا كان دافعا للحكومات لتخفيف شروط منح عقود الامتياز في المجال النفطي بدرجة ما أو بأخرى”، مشيرا إلى أن “هذا بالطبع لا يعني أن هذه الحكومات تقوم بالتفريط في ثرواتها الطبيعية، وهذه هي النقطة الجوهرية، أنه في ظل هذا التنافس كيف تجذب المستثمرين للتنقيب بأقل تنازل وأفضل تطبيق لمبدأ رابح رابح”.
ويرى أن “هذه تعود إلى مهارة المفاوض، بالإضافة إلى المنظور للدولة ككل، وهل تمر بحالة استقرار يضمن سلاسة تطبيق الاتفاقيات أم أنها قد تتعرض لمخاطر نتيجة سوء سمعة وتدني الثقة العامة من المجتمع الدولي، في قدرتها على الوفاء بالتزاماتها وإلى أي مستوى من الالتزام (بمليارات أم بملايين فقط)”.
وهنا يوضح رئيس حزب “الخضر”، أن “جزءً من صعوبة عمل المفاوض الوطني، أنه قد يتعرض لضغوط إضافية نتيجة خلل أو عدم استقرار الدولة ككل أمام المجتمع الدولي”.
وعانت مصر من أزمة دفع متأخرات مستحقات شركات الاستكشاف والتنقيب وإنتاج الغاز والنفط صاحبة الامتيازات والعقود مع الدولة المصرية ممثلة في الهيئة المصرية العامة للبترول، منذ العام 2019، والتي بلغت نحو 6.1 مليارات دولار في حزيران/يونيو 2024، والتي جرى سدادها في حزيران/يونيو الجاري، بالكامل، في خطوة تمثل تبييضا لملف الطاقة المصري أمام الشركات العالمية.
ماذا عن حدود الأمن القومي؟
وأشار عوض إلى نقطة ثالثة اعتبرها أساسية بملف الطاقة، وتتعلق بـ”خطط الدولة التسويقية”، موضحا أنه “من البديهيات أن سمعة الدولة وظروفها الاقتصادية، تفرض عليها قبول ما لم تكن تقبله من قبل سواء اقتصاديا أو سياسيا؛ لكن يظل هناك حد أدنى لا يجب ولا يجوز النزول عنه، وهو حدود الأمن القومي، أخذا بالاعتبار أن مصادر الطاقة أحد ركائز ذلك الأمن التي لا يتم التفاوض حولها”.
وأضاف: “يبقى نقطة تتعلق بجنسية الشركة المنتفعة، ورغم أن شخصية الشركة أحد العوامل الجوهرية إلا أن ذلك يتعلق بقوائمها المالية وسمعتها الدولية في التزام قواعد الشرف والأمانة والنزاهة، وألا تكون لدولة معادية ما لم يكن التعاقد مع شركة معينة يجيء في إطار أنه أحد الأدوات الاقتصادية لخدمة أهداف سياسية، ففي هذه الحالة لا غضاضة في إبرام مثل هذه الاتفاقية”.
اظهار أخبار متعلقة
وخلص للقول: “ومن ثم، ففي خصوص استبدال الشركة الإنجليزية، بشركة ريشيو بتروليوم ومقرها تل أبيب، فهذا الاتفاق يحب أولا عرضه على البرلمان المصري مثله مثل أية اتفاقية أخرى مع أية شركة وجنسية أخرى”، ملمحا إلى أن “إسرائيل لديها علاقات دبلوماسية مع مصر، وهناك عدد من الشركات تعمل في مصر وتعمل في إسرائيل، فما إذا الفرق بين الحالتين؟، إلا إذا كان التحفظ لأسباب سياسية بعيدة عن الاقتصاد”.
كارثة تستوجب المراجعة
وعبر مواقع التواصل الاجتماعي قال الخبير الاقتصادي مصطفى عادل إن الصفقة تمنح الشركة التابعة للاحتلال “دخولا مباشرا إلى إنتاج النفط في مصر”، ملمحا إلى أن “وجود شركات متعددة الجنسيات وتخارج مستثمر أجنبي لآخر قد يوصلنا لوضع مثل هذا؛ شركة تابعة لكيان محتل تعمل في مصر اليوم”.
وطالب الكاتب الاقتصادي مصطفى عبدالسلام، بضرورة “التدقيق بأسماء ومستثمري الشركات الأجنبية والعربية التي تشتري أصولا في مصر من بنوك وشركات وأراضي، ومن يقف خلفها من الشركات المتعددة الجنسيات، لأنها قد تكون واجهة لمستثمرين من دولة الاحتلال، وهو ما حدث بالفعل”.
ووصفت خبيرة التخطيط الاستراتيجي سالي صلاح، الصفقة بأنها “كارثة”، متسائلة: “هل طُرحت هذه الأصول في منافسة عالمية شفافة تضمن لمصر أفضل عائد؟”، مؤكدة أن “ريشيو بتروليوم” كيان إسرائيلي خاضع للأجندة الأمنية الإسرائيلية، وموافقة مصر نقل ملكية أصول منتجة لها تعني: شرعنة الوجود الاقتصادي الإسرائيلي المباشر داخل العمق المصري، وتحويله من علاقة تعاقدية إلى ملكية سيادية، وربط الأمن الطاقي المصري بمصالح شركة إسرائيلية، مما يخلق تبعية أمنية جديدة”.
