“كلك ذوق”… يوميات لبنانية في باص
ولمّا كانت تضيق بنا سبل الحياة في الأيام الأخيرة من الشهر، أضطر أحياناً إلى خفض سقف توقعاتي ورفاهية تنقلي، فأستبدل “السرفيس” بباصات النقل المشترك وحافلات “الفان”؛ لا لعلة فيها أو لأنها أدنى مستوى، بل لأنها تستدعي انتظاراً أطول، فضلاً عن أن الرحلة على متنها تتطلب وقتاً مضاعفاً، خصوصاً لشخص مثلي يشعر بأن من يسلب وقته إنما يسلب منه جزءاً عزيزاً.
وقد استرعت انتباهي أمور عدة، تبدأ بعدم رد التحية ولا تنتهي عندها.
أصعد الحافلة مثقلةً بجهاز اللابتوب وحقيبة اليد، في وقت لا يترك فيه طقس الصيف المقيت مزاجي في أفضل حالاته. وكتعبير عن الاحترام والامتنان للسائق الذي سينقلني إلى وجهتي، لا أتردد في إلقاء تحية “مرحبا” عند الصعود، لأُقابَل بصمت عارم وفراغ يتجاوز بحجمه ذلك السائد في غرفة انعدام الصدى بمدينة مينيابوليس في ولاية مينيسوتا الأميركية.
لمرات عديدة، كنت ألوم حنجرتي وأقول لعل صوتي كان منخفضاً، إلا أن تكرار التجاهل والملامح المتجهمة، أسقطت التهم عن حنجرتي، وتوصلت إلى نتيجة مؤكّدة: السائق يفتقر إلى الطاقة التي تخوّله رد السلام.
لقد كنا شعباً أكثر ما يُعرف به أنه “مذوق” يلقى الناس بالترحاب والوداع، ولعلّ الحروب والأوضاع العصيبة على الصُّعُد كافة، والمعارك اليومية التي نخوضها لننجو بأرواحنا وحياتنا ونثبت أننا أقوياء قد نجحت في جعلنا صامدين، ولكننا نفقد في المقابل بعضاً مما كان يميّزنا على طول الطريق.
وإن التفتنا وراءنا، فسنرى أننا قد أسقطنا الكثير… الذوق، اللباقة، والشهامة لمساعدة بعضنا بعضاً، واللائحة تطول.

تخطيت الأمر، وصادف أن قادني حظي العاثر للجلوس إلى جانب شاب في مطلع العمر، في أوائل عشرينياته. وأنا، وإن كنت لا أدعي البراءة المطلقة، إلا أنني أجزم أنني تعلّمت منه شتيمة أو اثنتين لم أكن قد سمعت بهما من قبل! استغرق حديثه الهاتفي مع صديقه – دون كذب أو مغالاة – الطريق كلّه. لم يكن في حالة غضب أو فاقداً للسيطرة على أعصابه، بل على العكس تماماً، كان حديثاً “شبابياً” عادياً تخلّلته شتائم لو كان أحد موظفي موسوعة “غينيس” على متن الحافلة لدوّنها كأكبر عدد من المسبّات في فترة زمنية قصيرة.
ولم نكن قلّة، بل كنا شباناً وصبايا، والجميع مجبر على الاستماع إلى هذه الحلقة المفروضة علينا من “قلة الأخلاق”.
إنني أستصعب حتى الإجابة على هاتفي داخل الحافلة خشية إزعاج الآخرين، فكيف بمن يشتم بلا هوادة، والمشكلة الأكبر أنه لا يرى في الأمر مشكلة أصلاً؟!
وكما حنّ مارسيل خليفة إلى خبز أمه، أحن أنا…
أحن إلى عبارة “تكرم عينك”، وأحن إلى ذلك الشاب الذي يفتح باب المصعد ويدعني أدخل أولاً، لا أن يسابقني وكأن هذا هو المصعد الأخير المتجه إلى الطوابق العليا، بل وينتظرني أحياناً لأفتح له الباب بعَضَلاتي المفتولة!
أحن إلى ما كنا عليه… إلى ما سلبته منا الحياة، نحن اللبنانيين.
