السّكن في بلد العجائب لبنان
برغم الشكوى من ارتفاع أسعار الشقق في لبنان، إلا أن التسهيلات التي كانت تقدمها المؤسسة العامة للإسكان التي تملكها الدولة اللبنانية، شكلت عاملاً مساعداً لذوي الدخل المحدود أولاً، وقروض المصارف التي لم يكن لها سقوف ساعدت كل لبناني تقريباً على امتلاك شقة الأحلام ثانياً، قبل أن تنهار الأحلام عام 2019 مع انهيار العملة اللبنانية انهياراً دراماتيكياً، مترافقة مع ما يشبه إفلاس المصارف، وحجزها ودائع اللبنانيين، بحيث بات متعذراً على كثيرين امتلاك شقة، أو حتى تأمين بدل الإيجار.
الوضع المصرفي لم يتبدل كثيراً حتى الساعة، لكن اللبنانيين استوعبوا الكارثة، بل تكيّفوا معها، وتمت دولرة الاقتصاد كلياً. صحيح أن القدرة الشرائية لم تبلغ ما كانت عليه قبل الانهيار، لكن معظم الرواتب عادت لتلامس حدود 70 إلى 80 في المئة مما كانت عليه قياساً إلى قيمتها الدولارية. وبالتالي تحسنت القدرة الشرائية تحسّناً كبيراً، من دون توافر التسهيلات المصرفية التي بدأت تطل برأسها هذه السنة، ولكن من ضمن ضوابط كثيرة وكبيرة، وأبرزها الواسطة والضمانات والملاءة في الخارج أحياناً.
في المقابل، تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي آلاف الصفحات الدعائية لشركات عقارية تؤمّن الشقق السكنية في لبنان، وأيضاً في قبرص واليونان، وكذلك في دبي، وفي جورجيا أخيراً. وتنتشر ظاهرة الشباب الذين يعملون في الترويج للعقارات. وهذا إن كان يدلّ إلى شيء، فهو إلى ازدهار هذه السوق من جديد. الشقق المعروضة للبيع كثيرة. والإقبال عليها جيد. صحيح أن البيع رافق مرحلة الانهيار في بداياتها، لأن المودعين قرروا تهريب أموالهم من المصارف عبر شرائهم بشيكات مصرفية كانت مقبولة في حينها. إلا أن الظاهرة لا تجد تفسيراً منطقياً في الوقت الحاضر. فلا مغتربون أو سياحٌ يقبلون على الشراء، والتحويلات الخارجية تراجعت تراجعاً كبيراً لأسباب عدة، أولها التضييق المالي على لبنان، وثانيها حروب المنطقة التي جعلت المداخيل تتراجع كثيراً حتى في الدول الخليجية.
بعد قصف الضاحية بعنف في عام 2023، واغتيال السيد حسن نصرالله وغيره من قيادات “حزب الله”، تزاحم أبناء الضاحية على طلب شقق للإقامة في المناطق المحيطة والقريبة جغرافياً، مثل بعبدا والحازمية وعين الرمانة وصولاً إلى عاليه وقراها، شراءً أو إيجاراً، وازدهرت إلى حين طلبات الشراء وارتفعت الأسعار في تلك المناطق. لكنها تراجعت بعد حين، إذ إن المقتدرين من النازحين اشتروا شققهم مع المرحلة الأولى من النزوح، أما الباقون فلا قدرة شرائية لديهم.

هذه بعض عوامل الطلب على الشقق السكنية تحديداً. علماً أن الأسعار لم تنخفض بسبب قلة الطلب، بل حافظت على مستوى محدد، وهي لا تلبث أن ترتفع، وإن بنسب متوسطة.
أسعار الشقق المقبولة نسبياً، وفي مناطق متوسطة الحال، تبدأ بحدود 1000 دولار إلى 1500 دولار للمتر المربع الواحد، لتصل إلى 2000 و2500 في أحياء تعتبر “كلاس” أكثر، لتبلغ 5000 دولار وأكثر في الأحياء الراقية.
وتعدّ هذه الأرقام مرتفعة جداً قياساً إلى حجم الاقتصاد اللبناني، والمداخيل المصرّح عنها، لكن كل ذلك لم يعطل حركة البيع والشراء، علماً أن مشاريع كثيرة كانت قد توقفت، عادت لتنطلق من جديد. إنه حقاً لبنان بلد العجائب.
