العلوم والتكنولوجيا

ما تراه ليس الحقيقة… الخوارزميات تختار لك العالم

0 0
Read Time:2 Minute, 28 Second

*منى صوان 


لم يعد الوصول إلى المعلومات في العصر الرقمي عمليةً محايدة كما كان يُفترض، بل بات يرتبط في شكل وثيق بآلياتٍ خفية تتحكم بها الخوارزميات. فمع كل مرة يتصفح فيها المستخدم هاتفه، يتشكل المحتوى المعروض أمامه بناءً على أنظمة تحليلٍ متقدمة ترصد سلوكه وتعيد ترتيب المعلومات وفق تفضيلاته.

 

تعتمد هذه الأنظمة على تقنيات الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة، وتقوم بتخصيص المحتوى لكل مستخدم استناداً إلى بيانات مثل التفاعل، ومدة المشاهدة، وأنماط الاهتمام. وتشير تقارير Pew Research Center إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت مصدراً مهماً للأخبار لدى شريحة واسعة من المستخدمين، ما يجعل طريقة عرض المحتوى عبر هذه المنصات عاملاً مؤثراً في تشكيل فهم الأفراد للأحداث.

 

عالم مخصص لكل مستخدم


لم تعد المنصات الرقمية مجرد وسيط لنقل المعلومات، بل أصبحت فاعلاً أساسياً في تنظيمها. شركات مثل “ميتا”  و”غوغل”  و”تيك توك” تطور باستمرار أنظمةً قادرة على تحليل سلوك المستخدمين بدقة، ومن ثم ترتيب المحتوى وفق احتمالية تفاعلهم معه.

 

وبناءً على ذلك، لا يُعرض المحتوى بالضرورة وفق أهميته أو دقته، بل وفق مدى قابليته لجذب الانتباه. هذا النمط من العرض يؤدي إلى تجربة رقمية مختلفة لكل مستخدم، بحيث يرى كل فرد مزيجاً خاصاً من المعلومات يتناسب مع اهتماماته.

 

التخصيص وحدوده


يؤدي هذا التخصيص إلى ما يُعرف في الأدبيات الرقمية بـ”الفقاعات المعلوماتية”، إذ يتعرض المستخدم بشكل أكبر لمحتوى يتوافق مع آرائه السابقة. وتشير أبحاث متعددة في مجال الإعلام الرقمي إلى أن هذا النمط قد يقلل من تنوع مصادر المعلومات التي يطّلع عليها الفرد، وإن كان تأثيره يختلف من مستخدم الى آخر ولا يُعد مطلقاً.

 

بمعنى آخر، لا يعيش جميع المستخدمين في عوالم مغلقة بالكامل، لكن التخصيص الخوارزمي يمكن أن يوجّه الانتباه نحو أنواع معينة من المحتوى على حساب غيرها.

 

صورة تعبيرية مصممة بالذكاء الاصطناعي

صورة تعبيرية مصممة بالذكاء الاصطناعي

 

منطق التفاعل


تعتمد أنظمة التوصية على نماذج رياضية تهدف إلى تقدير احتمالية تفاعل المستخدم مع المحتوى. ويتم ذلك من خلال تحليل بيانات مثل النقرات، والمشاهدات، والتعليقات، وغيرها من مؤشرات السلوك.

 

وتُظهر دراسات في مجال الإعلام الرقمي أن المحتوى الذي يثير استجابات عاطفية-سواء إيجابية أو سلبية- يميل إلى الانتشار بشكل أوسع على الإنترنت، وهو ما يمنحه فرص ظهورٍ أكبر ضمن هذه الأنظمة.

 

وبالتالي، فإن ترتيب المحتوى لا يعتمد على دقته فحسب، بل أيضاً على قدرته على جذب التفاعل، وهو ما يفسر انتشار بعض المواد بشكل واسع مقارنة بغيرها.

 

بين التقنية والوعي


لا تكمن الإشكالية في وجود هذه الأنظمة بحد ذاتها، بل في كيفية التعامل معها. فالتفاعل غير النقدي مع المحتوى، والاعتماد على مصدر واحد للمعلومات، قد يؤديان إلى فهمٍ جزئي أو غير مكتمل للواقع.

في المقابل، يمكن المستخدم الواعي أن يوازن ذلك من خلال تنويع مصادره، والتحقق من المعلومات، وعدم الاكتفاء بما تعرضه الخوارزميات.

ختاماً، تمارس الخوارزميات اليوم دوراً محورياً في تشكيل الطريقة التي نرى بها العالم، من خلال ترتيب المعلومات وتقديمها وفق معايير التفاعل

والاهتمام. ورغم ما توفره من سهولة وسرعة في الوصول إلى المحتوى، يبقى الوعي النقدي عاملاً أساسياً لضمان عدم الاكتفاء بما يُعرض، والسعي إلى تنويع مصادر المعرفة وفهم الصورة الأوسع.

* باحثة ومتخصّصة في القيادة التربوية والذكاء الاصطناعي في التعليم

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *