التفاوض فرصةٌ لإنقاذ لبنان أو لزعزعته
لا يُحسد المفاوض اللبناني على وضعه جالساً بين أربعة أعداء، إسرائيل والولايات المتحدة وإيران و”حزب إيران/ حزب الله”. هناك أيضاً آخرون لا يُصنّفون أعداء، بل عناصر يُفترض أن تكون مساعدة وداعمة للمفاوض في مهمته، لكنها ليست كذلك: الدولة الضعيفة المكبّلة، المؤسسات الأمنية المُعَجّزة باختراقات عدو الداخل، والانقسامات السياسية المتزيّدة بالسُعار الطائفي. كيف يمكن، والحال هذه، أن يضع المفاوض اللبناني على الطاولة منطق الحق والقانون الدولي في مواجهة غطرسة القوّة وفجور الأمر الواقع؟
إلى الطاولة عدوّان، إسرائيل وأميركا، يسعيان إلى هزيمة إيران و”حزبها” في لبنان، ومن الواضح أن الأربعة لا يعترفون بلبنان وبما هو له، بل يعتبرونه ساحة صراع يفوز بها مَن يحسم. انسوا السيادة والاستقلال، بل انسوا حتى الاحتلال، لأن الاحتلالات كثرت وتخالطت، وتكاد تتساوى في الارتكابات حتى صعُب على اللبنانيين التمييز أو المفاضلة في ما بينها. إنهم يرفضونها جميعاً. أميركا “راعية” المفاوضات- ولها في الرعاية تاريخ أسود- تحديداً عندما يتعلّق الأمر بإسرائيل، فإذا قرّرت الأخيرة أن لها مصلحة في “نقاط خمس” أو في “منطقة أمنية عازلة”، لا بدّ لأميركا أن تؤيدها وتدعمها، عدا عن أنهما في الحال الراهنة متفقتان استراتيجياً على ضرورة إخراج إيران و”حزبها” وسلاحهما من المشهد الشرق أوسطي. ثمة مصلحة للبنان في ذلك، لكن له مصلحة أيضاً في إزالة الاحتلال الإسرائيلي.
لا يمكن استبدال احتلال باحتلال، مهما بلغ الثمن. ولم يكن ممكناً ترك إيران تتفاوض عن لبنان، سواء اقتنع “الحزب” أو لم يقتنع. جاءت موافقة إسرائيل وأميركا، حقّاً أو كذباً، على التفاوض المباشر الذي اقترحه الرئيس اللبناني، حين كانت إيران تشترط، حقّاً أو كذباً، وقف النار في لبنان كي تشارك في مفاوضات إسلام آباد. حتّمت ضرورات اللحظة استخدام مطالبة الدولة اللبنانية بالتفاوض للشروع في “الفصل” بين لبنان وإيران، لكن تلك الضرورات لم تكفِ لوقف فوري لإطلاق النار، بل تُرك للتفاوض مع رفضٍ إسرائيلي مسبق، فيما يدعو نعيم قاسم زعيم “حزب إيران” الدولة إلى “إلغاء التفاوض”، ويتوعّد وصيفه وفيق صفا بأن “الحزب” لن يلتزم أي اتفاق ينتج من المفاوضات. وهذا إقرار بأن “الحزب” (كذلك “الثنائي الشيعي”) لا يعترف بالدولة ولا بحكومة له فيها وزراء.
لكن الدولة موجودة على رغم “الحزب” وإيران، وعلى رغم إسرائيل وأميركا، وكل الظروف السيئة التي تعاند انطلاقتها. فالخطاب والمواقف والاقتناعات التي يبديها رئيس الحكومة نواف سلام أصبحت الأكثر تعبيراً عن اللبنانيين والأكثر تمثيلاً لدولة تستطيع أن تكون لجميع مواطنيها أياً تكن انتماءاتهم.
ولأنه رجل دولة حقيقي، ونقيضٌ فعليٌ لـ”تحالف المافيا والميليشيا”، أصبحت حياته في خطر. تماماً مثلما هي حياة لبنان في خطر، لأن حروب الآخرين، إسرائيل وايران، هزّت كيانه وزعزعت دولته. صحيح أن لا مفرّ من الديبلوماسية للخروج من هذا النفق، لكن لبنان يفاوض أطرافاً لم تثبت يوماً أي حرص عليه، ولا تختلف في ذلك عن الأطراف التي لا يفاوضها ولا يريدها أن تفاوض عنه. لم يبقَ سوى أن يثبت اللبنانيون حرصهم على وطنهم، لكنهم غارقون في انقساماتهم البائسة.
