اقتصاد

محاولات لإحياء “مجد” البن اليمني في ظل صعوبات اقتصادية

0 0
Read Time:4 Minute, 12 Second

يافع (عدن) – رويترز: يكافح مزارعون في منطقة يافع جنوب اليمن لإحياء زراعة محصول البن، الذي اعتمد عليه كثير من اليمنيين في التاريخ القديم، وكانوا يصدرونه لمختلف أنحاء العالم لدرجة ارتباط اسم قهوة الموكا الشهيرة بميناء المخا، حيث كان يتم تصدير محصول البن اليمني.
لكن هذا المنتج اليوم يعاني الكثير من المشكلات على الرغم من حدوث تطور نسبي في زراعته في السنوات الماضية، إلا أن ذلك لم يغير كثيراً من واقع معاناته مقابل اكتساح زراعة نبات القات لكثير من المساحات في مناطق الزراعة الجبلية، فتراجع البن اليمني حتى بات شبه غائب عن سوق البن العالمية، نتيجة انحسار زراعته.
وقال المزارع سالم بن سالم الناخبي، أحد ملاك حقول البن في منطقة يافع: “إن الأمطار عادت تتساقط قبل سنوات مضت إلى منطقتنا، ما أعاد التفاؤل للمزارعين في سقي الشجرة، إلا أن تلك البشارة الإلهية لم تدم طويلاً لتساعد على بقاء أمد عمر الشجرة، وحلت بعدها مرحلة الموت، وكأنها رصاصة الرحمة”.
وأضاف: “نحاول استحداث أساليب جديدة لإعادة زراعة البن، منها تجديد الحقول الجافة بطين آخر إلا أنها لم تفلح بالشكل الكافي”.
وتابع: “أدت هذه الطريقة إلى انتعاش نصف الحقل فقط والنصف الآخر مات، وبعد فترة يفقد الطين جودته وحينها لن يعود الحقل صالحاً للزراعة”.
يُزرع البن في اليمن بمناطق المرتفعات الوسطى والغربية والجنوبية الواقعة على ارتفاع يتراوح بين 700 إلى 2400 متر فوق سطح البحر، حيث المناخ الدافئ والرطب، وكذلك في مناطق يتراوح منسوب مياه الأمطار فيها ما بين 40 سنتيمتراً إلى متر، وفقاً لبيانات رسمية.
وأشارت دراسات وبحوث إلى تلاشي زراعة البن في اليمن تدريجياً بمرور الوقت؛ نتيجة الظروف المناخية التي أثرت بالفعل على معظم مناطق البن، ومنها منطقة يافع الواقعة على بعد 200 كيلومتر شمال شرقي عدن جنوب اليمن، وهي أكبر وأهم المناطق اليمنية التي ذاع صيتها بإنتاج أكثر أنواع البن اليمني شهرة.
وإلى جانب يافع، تنتشر زراعة البن في مناطق أخرى، منها بني مطر وحراز ومديرتا الحيمة الداخلية والحيمة الخارجية غرب العاصمة صنعاء، بالإضافة إلى منطقتي بُرع في محافظة الحديدة غرباً وبني حماد في تعز جنوب غربي البلاد، وكذلك في محافظة إب وسط اليمن. ووفقاً لإرشادات متوارثة عن الأجداد خصوصاً خلال شهرَي تموز وآب، اعتاد المزارعون استبدال الطين القاسي بالناعم تسهيلاً لعملية إنتاج غير مضنية.
لكن مزارعين في منطقة يافع قالوا لرويترز: إن المساحات الحالية المتوفرة بلغت طبقة من الأرض غير صالحة للزراعة، الأمر الذي يعد السبب الرئيس في فشل زراعة البن منذ أعوام.
وقال محسن ناجي الحربي، مالك مزرعة للبن في منطقة يهر في يافع: “ضرب الجفاف مزارعنا قبل أكثر من 15 عاماً، وتصلبت كل الأودية، وهي الشريان الرئيس لتغذية زراعة البن”.
وأرجع أسباب ركود الإنتاج الزراعي للبن إلى عدم اهتمام الدولة والمستثمرين بفتح أسواق لإعادة تسويق وتصدير المحاصيل وفق رؤية تجارية حديثة.
ويرى مزارعون أن هناك حلولاً قد تساعد في ازدهار زراعة البن، مثل تغذية وادي يهر بيافع الذي يلتقي عند المصب مع وادي بنا الشهير المنطلق من محافظة إب وسط البلاد.
وقال الحربي: “إن ذلك يتطلب مشروع قناة تعيد تدفق المياه إلى وادينا من وادي بنا الشهير، التي تذهب مياهه هدراً في البحر”.
وأدت الحرب المستعرة في البلد منذ ثمانية أعوام إلى تدهور مستوى الإنتاج المحلي.
ويدمر الصراع الدامي في اليمن البنية التحتية لشبكة المياه ليعاني الملايين دون مياه صالحة للشرب أو لزراعة المحاصيل.

محاولات إنعاش
وحاولت العديد من المنظمات الدولية تقديم استشارات ومعونات، مثل مكافحة الحشرات الآكلة لشجرة البن من الجذوع ولكن دون جدوى، بحسب ما قال علي حسن الناخبي رئيس جمعية (ذي ناخب الزراعية) المهتمة بأشجار البن في يافع.
وأضاف الناخبي: “لأن أشجار القهوة في اليمن تُزرع على مدرجات جبلية شديدة الانحدار، فإن متوسط حجم المزرعة صغير، وتؤدي طرق الزراعة التقليدية والأصناف القديمة وظروف النمو الصعبة إلى خصائص مميزة للبن اليمني، لكن العائد منخفض مقارنة بالقادة العالميين في إنتاج البن”. ومع ذلك أكد أن “البن اليمني يحصل على سعر ممتاز في السوق الدولية”.
وأعلن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في آب الماضي عن مشروع بعنوان (من القات إلى البن من أجل تعزيز المناخ والأمن الإنساني)، يهدف إلى “تعزيز الإنتاج المستدام للبن وسلاسل القيمة في اليمن كمحصول بديل عالي القيمة للحد من استغلال المياه الجوفية”.
وخلال العقدين الماضيين، حاول تجار وضع زراعة البن نصب أعينهم، وخاضوا المنافسة في الأسواق الخارجية عبر معارض عربية ودولية، وحقق البن اليمني نتائج إيجابية.
ولكن بعد سنوات تعرضت محاصيل البن لانتكاسة؛ مع استمرار تجاهل الحكومات المتعاقبة إيجاد سياسة ملائمة ومشجعة لتسويق البن وتصديره.

غزو القات وإهمال حكومي
يرى باحثون ومتخصصون ومزارعون أن تهالك زراعة البن اليمني يعود لبداية عقد التسعينيات؛ حينما خيم الجفاف لعدة سنوات على مساحات من حقول البن، فباتت الأراضي قاحلة وبدأت تتآكل وتتهالك رويداً رويداً حتى طالها الموت.
كما يعزو هؤلاء أسباب التدهور إلى زحف نبات القات إلى مساحات زراعة البن، بالإضافة إلى هجرة الأيدي العاملة الماهرة داخلياً أو خارجياً.
ويعاني اليمن من نضوب واسع للآبار الارتوازية وشح المياه، ومع ذلك طغت زراعة القات، التي تستهلك كميات كبيرة من المياه، على معظم المحاصيل المهمة التي من الممكن أن تعود على خزينة الدولة بالعملة الصعبة، في وقت تشهد فيه البلاد أزمات اقتصادية وإنسانية قد تدفعها إلى حافة المجاعة، بحسب الأمم المتحدة.
ووفقاً للإحصاءات الرسمية، تقدر المساحة المخصصة للبن حالياً في أنحاء اليمن بنحو 34.5 ألف هكتار، ويبلغ حجم الإنتاج السنوي قرابة 20 ألف طن، وهي كمية صغيرة مقارنة بأرقام في العقود الماضية، إذ وصلت صادرات البن اليمني إلى أكثر من 44 ألف طن سنوياً قبل 60 عاماً تقريباً.
    
 

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *