طهران تخاف مرحلة ما بعد الحرب والأخطر منها
تخاف طهران من الهدوء حين يُصبح ما بعد الحرب أخطر من الحرب. في الظاهر تبدو المنطقة وكأنها تقترب من مرحلة تهدئة بعد أشهر من المواجهات العسكرية والتوترات المتصاعدة. فالولايات المتحدة لا تبدو راغبةً في الانزلاق إلى حرب مفتوحة وطويلة الأمد. كما يُدرك النظام الإيراني أن استمرار المواجهة العسكرية قد يفتح عليه أبواباً لا يستطيع السيطرة عليها. في الوقت نفسه لم تنجح المفاوضات الجارية في تحقيق اختراق حقيقي، لأن أياً من الطرفين لا يريد دفع الثمن السياسي للتراجع عن مواقفه. غير أن ما يُقلق طهران اليوم لا يقتصر على الحرب أو المفاوضات. فالمعضلة الأخطر بالنسبة إلى النظام الإيراني تكمن في مرحلة ما بعد الحرب. أي اللحظة التي يتراجع فيها ضجيج المواجهة الخارجية. وتعود الأزمات الداخلية المؤجلة إلى الواجهة. لهذا تبدو مرحلة ما بعد الحرب في حسابات السلطة أكثر خطورةً من الحرب ذاتها.
لقد اعتاد النظام خلال العقود الماضية استخدام الأزمات الخارجية. فكلما اشتدت الضغوط الاقتصادية أوتصاعد الغضب الشعبي لجأت السلطة إلى تضخيم التهديد الخارجي أو افتعال مواجهة إقليمية أو فتح ملف أمني جديد لتبرير القمع وتشديد القبضة على المجتمع. لكن هذه الآلية لم تعد قادرة على إخفاء التناقضات المتراكمة داخل إيران. وعندما ينتهي ضجيج الحرب سيجد النظام نفسه وجهاً لوجه أمام خصمه الحقيقي الشعب الإيراني والخوف مما بعد الحرب. في هذا السياق تكتسب عبارة حميد رسائي دلالة لافتة حين قال: “أنا لا أخاف من الحرب بل أخاف مما بعد الحرب”. فالحرب رغم كلفتها ومخاطرها منحت النظام فرصةً موقتة لحشد أنصاره، وتبرير الإجراءات الأمنية، وفرض المزيد من القيود على المجتمع. أما توقف المواجهة أو الدخول في تهدئة نسبية فسيعيد إلى السطح كل الملفات التي حاولت السلطة دفنها تحت دخان الحرب. في مقدمة هذه الملفات تأتي الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي بلغت مستويات غير مسبوقة، التضخم، انهيار العملة، البطالة، واتساع الفقر وأزمات المياه والطاقة والبيئة كلها عوامل لم تختفِ بسبب الحرب، بل ازدادت تعقيداً. وما إن تتراجع أجواء التعبئة العسكرية حتى تعود هذه الأزمات لتفرض نفسها على حياة الإيرانيين اليومية بقوة أكبر.
كما تبرز أزمة الخلافة داخل النظام باعتبارها أحد أخطر الملفات المؤجلة. فقد نجحت الحرب في تجميد الصراع حول صعود مجتبى خامنئي إلى موقع الولي الفقيه لكنها لم تحله. ومع عودة الحياة السياسية إلى مسارها الطبيعي ستظهر مجدداً التناقضات بين أجنحة السلطة حول مستقبل القيادة وإتجاه النظام. والمؤشرات الأولى لهذا الصراع بدأت بالفعل في الظهور داخل المؤسسات الإعلامية والسياسية التابعة للنظام.
إعادة الإعمار وأزمة الموارد. إلى جانب ذلك يواجه النظام تحدياً هائلاً يتمثل في إعادة إعمار ما خلّفته الحرب من أضرار في قطاعات النفط والبيتروكيماويات والصناعة والبنية التحتية. هذه العملية تحتاج إلى مئات المليارات من الدولارات، في وقت يعاني الاقتصاد الإيراني نقص الموارد وتراجع الاستثمارات، وتفاقم العقوبات، واتساع العزلة الدولية. لا تقتصر الأزمة على الاقتصاد وحده. فإعادة بناء القدرات العسكرية والصاروخية وشبكات النفوذ الإقليمي ستحتاج أيضاً إلى موارد ضخمة وبيئة سياسية مستقرة. وهما شرطان بعيدان عن واقع النظام الراهن. فكل دولار يُصرف على ترميم أدوات القمع والتدخلات الخارجية سيزيد غضب مجتمع يرزح تحت الفقر والحرمان. الأهم أن النظام يدخل في هذه المرحلة من دون العنصر الذي شكّل لعقود مركز توازنه الداخلي: أي علي خامنئي. فالشخص الذي كان المرجعية النهائية لحسم الخلافات وإدارة التوازنات لم يعد موجوداً، بينما يجد مجتبى خامنئي نفسه أمام أزمات متشابكة تجعله أقرب إلى أن يكون جزءاً من المشكلة لا جزءاً من الحل.
المقاومة المنظمة وحسابات الداخل.
في المقابل تقف المقاومة الإيرانية اليوم في موقع مختلف عما كانت عليه في مراحل سابقة. فسنوات الاحتجاجات والانتفاضات أسهمت في ترسيخ حضور وحدات المقاومة داخل العديد من المدن الإيرانية، وأوجدت شبكات قادرةً على الاستفادة من أي انفراج أو اهتزاز في قبضة السلطة. لهذا يُدرك النظام أن انتهاء الحرب لا يعني انتهاء التهديدات، بل قد يكون بداية مرحلة أشد خطورة عليه، تتصاعد فيها الاحتجاجات ويتسع فيها النشاط المعارض. فالحرب قد تمنح السلطة غطاءً أمنياً مؤقتاً، أما ما بعدها فكيشف حجم الغضب الكامن داخل المجتمع.
إن ما ينتظر إيران بعد الحرب ليس مرحلة استقرار بل مرحلة مواجهة مع الاستحقاقات المؤجلة. المطالب الاجتماعية ستعود إلى الواجهة، والأزمات الإقتصادية ستُصبح أكثر وضوحاً، والصراعات الداخلية ستزداد حدة، بينما سيواصل المجتمع الإيراني البحث عن مخرج من واقعٍ يزداد قسوةً عاماً بعد عام. من هنا فإن السؤال الحقيقي لم يعد يتعلّق بنتائج الحرب أو مصير المفاوضات فقط، بل بقدرة النظام على مواجهة ما بعدها. وهي مرحلة تبدو بالنسبة إلى كثير من المراقبين وحتى بعض أركان السلطة نفسها أكثر خطورة من الحرب ذاتها. فالحرب قد تنتهي بوقف إطلاق نار أو اتفاق سياسي. أما الصراع بين النظام والشعب الإيراني فلا يزال مفتوحاً. وهو الذي سيحدّد في النهاية مستقبل إيران بأسرها.
