العلوم والتكنولوجيا

الرزّ للجيش والذل لمتقاعديه!

0 0
Read Time:3 Minute, 11 Second

في النبطية، جنوبية تنثر الرز على الجيش اللبناني. وفي شوارع بيروت، عسكريون متقاعدون يعودون إلى الاحتجاج مطالبين بحقوقهم. بين المشهدين تتكثف مأساة دولتنا: مواطنون يبحثون عمّن يحميهم، ومن أمضوا أعمارهم في حمايتها يبحثون عمّن يصون كرامتهم. نحمّل المؤسسة العسكرية أمل النجاة، ثم نقبل أن تكون نهاية الخدمة فيها بداية الخوف من الغد.

يمكن قراءة استقبال الجيش بالرز بوصفه تعبيراً بسيطاً وعميقاً عن الحاجة إلى الدولة. في الجنوب، حيث يدفع الناس من أعمارهم وبيوتهم وأمانهم أثمان الحروب، يصبح حضور الجيش وعداً بإمكان استعادة حياة طبيعية. وفي مشهد المرأة الجنوبية ما يتجاوز الترحيب بالعسكريين: توقٌ إلى حماية عامة، ينالها المواطن بصفته لبنانياً، من دون أن يحتاج إلى بطاقة حزبية أو شهادة ولاء.

تلك هي القيمة التي تمنح المؤسسة العسكرية موقعها الاستثنائي؛ ففي بلد تتنازع طوائفه المؤسسات وتقتسمها، يبقى الجيش من أوسع مساحات الثقة المشتركة بين اللبنانيين. وتبقى المفارقة أنه يحمل هذا الأمل فيما تلاحقه حسابات “6 و6 مكرّر”، وتتسلل المحاصصة إلى شؤونه وتعييناته. لهذا تصبح حمايته من الاستثمار الفئوي ضرورة لبناء دولة يحكمها القانون، وتخضع فيها القوة المسلّحة لسلطة مدنية مسؤولة.

لكن الدولة التي تستند إلى هذه المؤسسة تتصرف مع متقاعديها بما يقوّض الثقة بها. وقد تجدّدت احتجاجاتهم صباح اليوم تزامناً مع مناقشة مشروع موازنة 2027، بعدما طالب ممثلوهم بإدراج إصلاح الرواتب والأجور في الموازنة، بما يستعيد قيمتها الحقيقية قبل انهيار 2019. إنها مطالبة بترجمة سنوات الخدمة إلى حدّ معقول من الأمان المعيشي، عوض إبقائها رهينة الانتظار والتسويات.

ضمان غد العسكري المتقاعد جزء من التزام الدولة تجاه من خدمها. ولهذا الالتزام معنى إضافي حين يتعلّق بمن أمضى سنواته في مهنة تقيّد خياراته، وتفرض عليه الانضباط والتنقل واحتمال الخطر. وحين يعجز دخله عن تأمين الدواء والسكن وحاجات أسرته، تكون الدولة قد أخلّت بجانب أساسي من علاقتها به. لا يعوّض هذا الخلل تكريمٌ في مناسبة، ولا خطابٌ عن الوفاء للتضحيات.

والأخطر أن العسكري الموجود في الخدمة اليوم يرى زميل الأمس على الطريق، ويستطيع أن يتخيّل نفسه مكانه. فما الرسالة التي تصله؟ كأن الدولة تقول له: “أدِّ واجبك كاملاً الآن، وحين تنتهي حاجتي إليك، دَبِّر أمرك. هؤلاء السابقون، وأنتم اللاحقون”. أيّ طمأنينة يمكن أن تمنحها مؤسسة لأفرادها إذا كان مستقبلهم معروضاً أمامهم بهذا القدر من القسوة؟

لا يجوز استغلال انضباط العسكريين لافتراض أن قدرتهم على الاحتمال بلا نهاية. فالمعنويات تنمو أيضاً من الاطمئنان إلى مصير الأسرة، ومن الشعور بأن التضحية تقابلها مسؤولية. ومن يريد عسكرياً متفرغاً لمهمته عليه أن يخفف عنه القلق على دواء والديه وتعليم أولاده. إن كرامة المتقاعد تدخل إلى الثكنة كل يوم، لأنها تخبر العاملين فيها بما ينتظرهم حين يغادرونها.

نعرف أن المالية العامة مأزومة، وأن استعادة القدرة الشرائية تحتاج إلى موارد وإصلاحات وترتيب للأولويات. لكن الاعتراف بضيق الموارد يلزم الحكومة بتقديم خطة واضحة قابلة للتمويل، بمهلٍ معلنة ومعايير عادلة للرواتب والمعاشات. أما إبقاء الحقوق معلّقة على مساعدات ظرفية ووعود متكررة، فينقل كلفة العجز إلى الأسر، ويجعلها تدفع ثمن الانتظار من صحتها واستقرارها.

ولا تنفصل قضية متقاعدي القوى العسكرية والأمنية عن حقوق سائر العاملين والمتقاعدين في القطاع العام. فالدولة التي نريدها تضمن العيش الكريم للجميع، وتراعي طبيعة الخدمة ومخاطرها ضمن قواعد مفهومة ومنصفة. وكلما اضطر صاحب حقّ إلى طلب وساطة للحصول عليه، اتسعت سلطة الزعيم على حساب المؤسسة. بهذا المعنى، فإن إنصاف المتقاعدين يقطع طريقاً من الطرق التي تعيد إنتاج الارتهان الطائفي.

ترحيب الناس بالجيش يمنح الدولة فرصة ثمينة لاستعادة معناها. وتلك فرصة تحتاج إلى قرارات توازيها، تبدأ باحترام الذين يحملون مسؤوليتها، في الخدمة وبعدها. ويصعب إقناع جندي بأنه يحرس مشروع دولة عادلة، إذا كان يرى رفاقه السابقين يتوسلون منها أبسط مقومات العيش الكريم.

المرأة الجنوبية قدّمت ما تقدّمه الناس حين يطلّ الأمل: الرز. وعلى الدولة أن تقدّم ما تدين به لمن يخدمونها: حقوقاً مضمونة ومستقبلاً يمكن الوثوق به. أما أن نطلب من العسكري أن يطمئننا إلى الغد، ثم نترك غده هو معلّقاً على الشارع، فتلك طريقة فادحة لتبديد آخر ما بقي لنا من أمل.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *