لماذا لم تُجرّ طهران إلى الصراع مع أوكرانيا؟
د. خالد العزي*
أعاد الهجوم الذي استهدف سفينة إيرانية في بحر قزوين في تموز/يوليو تسليط الضوء على احتمال تداخل الحرب الروسية–الأوكرانية مع التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط.
فبينما تبادلت كييف وطهران الاتهامات، ساد الاعتقاد أن الحادث قد يدفع إيران إلى الانخراط بصورة مباشرة في الصراع الأوكراني. غير أن الأزمة انتهت سريعاً عبر قنوات ديبلوماسية، ما كشف عن وجود رغبة مشتركة، وفي مقدمها الولايات المتحدة، في منع توسع دائرة المواجهة.
بين الاحتواء والتصعيد
اعتبر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن إيران أصبحت طرفاً في الحرب منذ عام 2022، بعد تزويدها روسيا الطائرات المسيّرة والتكنولوجيا المرتبطة بها، وهو ما ساهم، بحسب كييف، في تعزيز القدرات العسكرية الروسية. في المقابل، رفضت طهران هذه الاتهامات، وحذرت من أن أي استهداف لمصالحها ستكون له تبعات، مؤكدة أنها لن تقبل الاعتداء على أراضيها أو مصالحها من دون رد.
وردّت وزارة الخارجية الأوكرانية أن إيران لا يمكنها تقديم نفسها ضحية، في وقت تتهمها فيه كييف بتقديم دعم عسكري الى روسيا، الأمر الذي أثار مخاوف من تحول التوتر إلى مواجهة مباشرة، خصوصاً في ظل امتلاك إيران ترسانة صاروخية بعيدة المدى واعتماد أوكرانيا على منظومات الدفاع الجوي الغربية.
غير أن هذا الاحتمال تراجع سريعاً بعد تحرك ديبلوماسي، إذ أجرى وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها اتصالًا بنظيره الإيراني، أكد خلاله أن كييف لا تستهدف السفن المدنية أو المدنيين، فيما أعلنت طهران أنها لا تسعى إلى التصعيد، مع تمسكها بالمطالبة بتعويضات عن الأضرار التي لحقت بالسفينة، في خطوة عكست رغبة الطرفين في احتواء الأزمة ومنع اتساعها.
لماذا تخشى واشنطن هذا السيناريو؟
تشير المعطيات إلى أن الولايات المتحدة لا ترغب في دمج الحرب الروسية–الأوكرانية مع المواجهة القائمة مع إيران. فدخول طهران في مواجهة مباشرة مع كييف قد يؤدي إلى تشابك صراعين منفصلين، أحدهما في أوروبا الشرقية والآخر في الشرق الأوسط، بما يفرض على واشنطن إدارة أزمتين مترابطتين في وقت واحد.
فانخراط إيران عسكرياً ضد أوكرانيا قد يدفعها إلى الاصطفاف بصورة أوضح إلى جانب روسيا، بينما تجد كييف نفسها أكثر ارتباطاً بالمواجهة الأميركية–الإسرائيلية مع طهران، وهو ما قد يحول نزاعين إقليميين إلى أزمة دولية أكثر تعقيداً. لذلك، يبدو أن واشنطن فضّلت احتواء التوتر قبل أن يتحول إلى مواجهة متعددة الجبهة.
أما إيران، فلا تبدو معنية بفتح جبهة جديدة. فهي تواجه تحديات مستمرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وتسعى إلى إدارة مواردها العسكرية وفق أولوياتها الإقليمية. كما أن تعاونها مع روسيا، رغم أهميته، لا يرتقي إلى مستوى معاهدة دفاع مشترك تلزمها التدخل المباشر في الحرب الأوكرانية.
استراتيجية الرد الإيرانية
تعتمد إيران، وفق كثير من التقديرات، على مبدأ الردع غير المباشر، عبر استهداف المصالح أو القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة عند تعرضها لضربات، بدل الانخراط في مواجهاتٍ واسعة قد تستنزف قدراتها. ومن هذا المنطلق، فإن فتح جبهة مع أوكرانيا لا ينسجم مع أولوياتها العسكرية والسياسية في المرحلة الحالية.
لذا، واصلت كييف تركيزها على الجبهة الأوروبية، خصوصاً بعد سقوط صاروخ روسي قرب الأراضي البولندية، وهي حادثة أعادت النقاش حول أمن الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي. ورغم تأكيد وارسو أنها لا تملك مؤشرات على أن بولندا كانت هدفاً مباشراً، فإن أوكرانيا ترى في مثل هذه الحوادث دليلًا على اتساع المخاطر التي تهدد الأمن الأوروبي، بما يعزز استمرار الدعم الغربي لها.
تكشف هذه التطورات أن جميع الأطراف، رغم استمرار التوتر، تسعى إلى منع تحول الحرب الروسية–الأوكرانية والصراع بين الولايات المتحدة وإيران إلى مواجهة مترابطة. فواشنطن لا ترغب في فتح جبهة جديدة تعقّد استراتيجيتها الدولية، وطهران لا ترى مصلحة في الانخراط المباشر في الحرب الأوكرانية، بينما تواصل كييف الضغط السياسي على إيران بسبب دعمها العسكري لروسيا. لذلك، يبقى احتواء الأزمات ومنع اتساعها الخيار الأكثر ترجيحاً، رغم استمرار التنافس والصراعات في أكثر من ساحة إقليمية ودولية.
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة “النهار” الإعلامية
