المعاهدة الثلاثية ترسم وقائع استراتيجية عازلة لإيران
سرق التفاهم الدفاعي الذي وقعته كل من تركيا وباكستان مع المملكة العربية السعودية الأضواء من كل ما يدور في فلك الحرب في المنطقة على نحو مباشر ليوجه الأنظار نحو جانب آخر فرضته هذه الحرب ومن شأنه أن يحدث تغييرات كبيرة في المنطقة ليست متوقفة على ما تفرزه الحرب الإيرانية الأميركية أو تفاهماتها.
فالرسالة والأبعاد واضحة ربطاً بالتهديدات الإقليمية التي أخذت أوجهاً جديدة لا سيّما مع التحريض الإيراني للحوثيين ضد المملكة السعودية وامتداد ذلك إلى التنسيق مع الحشد الشعبي في العراق لهذه الغاية. أنتج طموح إيران الى السيطرة على مضيق هرمز تحالفا من 14 دولة في تحالف بحري دفاعي أعلن في الرياض نهاية الشهر الماضي لحماية الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب وخليج عدن، وانتج تعديها عبر وكلائها على السعودية ودول الخليج وبعض الدول العربية تحالفاً إقليمياً لدول لا تستطيع إيران المجاهرة بعدائها لها في ظل حاجتها إلى الوساطة الباكستانية واضطرارها إلى مراعاة تركيا.
كان متوقعاً في ظل رباعية ضمت هذه الدول إلى جانب مصر أيضاً أن تكون الأخيرة من ضمن هذا التفاهم الدفاعي لا سيما في ضوء الاستهداف الأخير لدمياط في مصر والذي وإن كانت الأخيرة لم تكشف عن هوية من يقف وراءه، ولكن ليس واضحاً إذا كان اقتصار التفاهم الدفاعي الثلاثي يرتبط بترك هامش لمصر لكي تلعب دوراً وسيطاً ما أو أن تكون هناك اعتبارات أخرى.

وتعكس هذه الاتفاقيات جهداً إقليمياً أوسع لتعزيز التنسيق في مواجهة التهديدات المشتركة، والتي تنبع في معظمها من إيران والتنظيمات الملحقة بها أو المدعومة منها، اذ تنص اتفاقية الدفاع المشترك على بندً “الدعم المتبادل للدفاع فقط”، اي انه محدود ومحدد النطاق.
لكن هذه الورقة المهمة تفيد أن الخصوم لا يمكنهم الاستمرار في ممارسة اللعبة نفسها اذ ان تعزيز السعودية اوراقها من شأنه الضغط في اتجاهات عدة قد يكون ابرزها الدعم الايراني للحوثيين في استهدافهم المملكة فيما تتحدث ايران علنا مع هذه الأخيرة، ما يعد إفلاساً في الواقع من جانب ايران لأنّ ورقة لبنان أضحت ورقة خاسرة بالنسبة إلى طهران لعدم قدرتها على استخدامها، فأصبحت ورقتها الأساسية عبر الحوثيين وفصائل الحشد الشعبي في العراق.
ما كان أدّى إلى الغاء زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي الى المملكة السعودية قبل ان تعيد الاخيرة اعادة توجيه الدعوة اليه لزيارتها تفاديا لعدم الوقوع في خطأ ترك العراق في ايدي ايران كليا ولان الزيدي عاد ليلعب ورقة التوازن الاقليمي في العراق. وتقول مصادر ديبلوماسية أنه لا يمكن لإيران الاستمرار في استخدام ازدواجية سياسية من دون إثارة ردود فعل يشكل الاتفاق الدفاعي المشترك بين السعودية. تركيا وباكستان أحد أبرز أوجهه.

فالتفاهم يبقى متاحاً إذا اختارت إيران ذلك، ولكن قوة الدول “السنية ” التي تستند إلى باكستان كقوة نووية وهناك اتفاقية ثنائية للدفاع المشترك بينها وبين السعودية وقعت في أيلول 2025، وإلى تركيا كقوة أطلسية تعتبر إحدى القوى الثلاث التي كانت تنافس إسرائيل وإيران في المنطقة على السيطرة في المنطقة.
وهذا يظهر في شكل اساسي انتقال الثقل في المنطقة من الجبهة اللبنانية السورية الفلسطينية الإسرائيلية إلى الجبهة الخليجية شئنا أم أبينا حتى لو أنّ الاتفاق الدفاعي المشترك يوجه رسائل في أكثر من اتجاه وليس في اتجاه ايران فحسب.
ولذلك فإنّ ثمّة رسالة في التوازن الرادع من حيث وجوب أن تأخذ أيران في الحسبان تخطيها خطاً أحمر دفعت إلى تجاوزه عبر الحوثيين وتعاون هؤلاء مع الحشد العراقي لاستهداف السعودية التي عمدت إلى توجيه ضربة عسكرية لأحد مواقعه في العراق أخيراً بمشاركة الولايات المتحدة الأميركية.

وبمقدار ما تترجم هذه التطورات تحولات إقليمية جذرية تسعى فيه الدول إلى بناء شراكات وتحالفات لحماية نفسها ومصالحها من التهديدات الأمنية المستمرة، في منطقة تشهد متغيرات كبيرة تحدد فيها مستقبلها، فإنها تطرح تحديات استراتيجية كبيرة أمام إيران التي تستهين بجيرانها وتهدد مصالحهم فيما انه بات ينظر إليها أكثر فأكثر على أنها تهديد مشترك لمحيطها والمنطقة ككل بمعزل عن حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل. ومنطقها في هذا الاطار لم يكن يوما قابلا للبيع ولكنه تعزز اكثر ، حين اوقفت استهدافها المحدود لاسرائيل لتوجه عداءها فقط في اتجاه الدول الخليجية خصوصا والعربية عموما .
وبات واضحاً في ضوء هذه المعطيات أن تجاهل إيران لتجاوزاتها ووكلائها في جميع أنحاء المنطقة من لبنان إلى سوريا ولبنان واليمن باتت تؤتي مفاعيل تتسبب في زيادة تقارب المصالح بين مختلف دول المنطقة والدفع في اتجاه ترجمة ذلك اكثر فاكثر ، ما يساهم في تعميق عزلتها وخسارتها.
وهذا يترك مفاعيل كبيرة في لبنان من حيث حجم وطبيعة التنازلات التي يتعين تقديمها من الثنائي الشيعي في شكل خاص لخفض الاضرار وحماية ما تبقى ، الامر الذي اكثر ما يدركه هو رئيس مجلس النواب نبيه بري .
rosannabm @hotmail.com
