الحرب والنزوح وآثارهما على أزمة السكن في لبنان , السّكن في بلد العجائب لبنان
هناك احتمال كبير أن يواجه لبنان أزمة سكن حقيقية إذا لم تتوافر خطة إعادة إعمار وتمويل سريع، لكن حجم الأزمة سيختلف بين منطقة وأخرى.
هناك خمسة عوامل رئيسية تدفع باتجاه هذه الأزمة:
1. حجم الدمار السكني
تشير التقديرات إلى تدمير أكثر من 11 ألف مبنى كلياً في الجنوب، إضافة إلى مئات المباني في الضاحية الجنوبية وبيروت، وهو ما يعادل عشرات آلاف الوحدات السكنية الخارجة من الخدمة. ففي الجنوب وحده، تأثرت نحو 17,900 وحدة سكنية بالتدمير الكامل، وأكثر من 5,200 وحدة بأضرار جزئية كبيرة وفق برنامج الامم المتحدة الانمائي.
2. الطلب المتزايد على الإيجارات
مع فقدان آلاف الأسر منازلها، يتجه قسم كبير منها إلى استئجار مساكن في المناطق الأقل تضرراً، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الإيجارات، وانخفاض المعروض من الشقق، وانتقال الأزمة من جنوب لبنان والضاحية إلى مناطق مثل صيدا، الشوف، عاليه، المتن، كسروان والبقاع.

3. الأزمة المالية اللبنانية
في الحروب السابقة، كان التعويض وإعادة البناء يتمان بوتيرة أسرع بفضل التمويل المحلي أو الخارجي. أما اليوم، فإن الدولة اللبنانية تعاني من أزمة مالية عميقة ولا تملك الموارد الكافية لتمويل إعادة الإعمار، فيما لا تزال المساعدات الدولية دون المستوى المطلوب.
4. بطء إعادة الإعمار
حتى مع توافر التمويل، فإن إزالة ملايين الأمتار المكعبة من الركام، وإعادة تأهيل البنية التحتية (الكهرباء، المياه، الطرق)، ثم بناء المساكن قد تستغرق سنوات وليس أشهراً.
5. استمرار النزوح
تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن كثيراً من العائلات لا تستطيع العودة لأن منازلها دُمّرت أو أصبحت غير صالحة للسكن، فيما لا تزال مراكز الإيواء والإيجارات الموقّتة تستوعب جزءاً من المتضررين.

عائدون!
بعدما خفت دوي المدافع في جنوب لبنان، عاد معظم النازحين إلى قراهم، رغم أن كثيرين منهم وجدوا بيوتهم مدمرة أو متضررة إلى حد كبير. ومع انحسار موجة النزوح، أقفلت مراكز الإيواء أبوابها تباعاً، بعدما بقيت أشهراً شاهدة على واحدة من أقسى محطات الحرب. لكن المشهد يبدو اليوم وكأنه يعيد نفسه، ولو بصورة أخف وطأة.
في زقاق البلاط، مثلاً، استعادت مدرسة الليسيه عبد القادر شيئاً من الحركة بعد فترة من السكون. فالأنوار التي انطفأت مع انتهاء مرحلة الإيواء عادت لتضيء ليلاً، فيما يلاحظ سكان المنطقة دخول عائلات نازحة إلى المبنى وخروجها منه، في مؤشر إلى عودة استخدام بعض مراكز الإيواء، ولو بشكل محدود.
يوضح نازح وقف بباب المدرسة إن عائلات عدة كانت نزيلة هذا المركز لم تتمكن من العودة إلى منازلها بسبب حجم الدمار، أو لأن قراها ضمن الخط الأصفر، وأخرى اضطرتها الظروف الاقتصادية القاسية إلى البحث مجدداً عن مأوى مؤقت، في ظل بطء عمليات إعادة الإعمار وغياب التعويضات الكافية. وبعضهم عاد لأن مراكز الإيواء المفتتحة حديثاً في الجنوب لم تتسع للجميع.
وبين عودة الحياة إلى بعض مراكز الإيواء واستمرار معاناة آلاف المتضررين، يتضح أن توقف الحرب لم يعنِ نهاية الأزمة الإنسانية. فعدد كبير من العائلات لا يزال يعيش بين ركام المنازل المهدمة وواقع اقتصادي خانق، فيما تبقى العودة الكاملة إلى الحياة الطبيعية رهناً بإعادة الإعمار وتأمين مقومات الاستقرار والسكن اللائق.
