بعد مونديال “العم ترامب”… الهوة تتسع بين “فيفا” و”يويفا”
غريب جداً غياب رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم “يويفا” ألكسندر تشيفرين، عن نهائي كأس العالم 2026 بين الأرجنتين وإسبانيا في نيوجيرسي الأميركية، هذا الغياب لم يكن حدثاً بروتوكولياً يمكن تجاوزه بسهولة. فقرار مقاطعة المباراة جاء بعد سلسلة من الخلافات بين الاتحادين القاري والدولي “فيفا” خلال البطولة، ليكشف أن العلاقة بين أكبر مؤسستين في كرة القدم العالمية دخلت مرحلة مختلفة، الخلاف فيها يمتد إلى طريقة إدارة اللعبة ومستقبلها.
تشيفيرين اتخذ قرار عدم حضور النهائي بعد تراكم خلافات مع “فيفا” شملت الإجراءات الانضباطية، وإدارة البطولة، والملفات التحكيمية، والتعديلات التشغيلية التي شهدها المونديال. كانت قضية المهاجم الأميركي فولارين بالوغون، والسماح له بالمشاركة إثر اتصال من الرئيس الأميركي دونالد ترامب برئيس الـ”فيفا” جاني إنفانتينو، الشرارة الأكثر إثارة.
رد “يويفا” جاء غير مسبوق في حدّته، إذ وصف القرار بأنه “غير مسبوق، وغير مفهوم، وغير قابل للتبرير”، مضيفاً في بيانه أن “عندما لم يعد اليقين في تطبيق القواعد مضموناً من القائمين عليها، فإن نزاهة اللعبة تصبح على المحك، كما تتعرض صدقية البطولة للتقويض”. لكن بالوغون لم يكن أصل الأزمة، بل كان كاشفاً لها.
فخلال البطولة نفسها، اتسعت قائمة الاعتراضات الأوروبية لتشمل تمديد فترة الاستراحة بين الشوطين في النهائي إلى أكثر من 27 دقيقة لإقامة عرضٍ فني على غرار نهائي دوري كرة القدم الأميركية “سوبر بول”، إلى جانب تعديلات في بعض البروتوكولات التحكيمية، وارتفاع أسعار التذاكر، وصولاً إلى رفض مشروع توسيع كأس العالم إلى 64 منتخباً في نسخة 2030، والذي يمثل نقطة خلاف جوهرية بين الطرفين.

إنفانتينو يدافع عن التوسع باعتباره وسيلة لمنح المنتخبات الصغيرة فرصة أكبر للمشاركة والتطور، لكن هذا الطرح لم يحظ بدعم واسع خارج “فيفا”.
تشيفرين وصف الفكرة بأنها “سيئة” سواء للبطولة أو للتصفيات، فيما رأى رئيس اتحاد الـ”كونكاكاف” فيكتور مونتالياني أن التوسع الإضافي قد يضر “المنظومة الكروية الأوسع”، بينما حذر رئيس الاتحاد الآسيوي الشيخ سلمان بن إبراهيم آل خليفة من أن الاستمرار في زيادة عدد المنتخبات قد يقود إلى “الفوضى”. وتشير هذه المواقف إلى أن الاعتراض على المشروع لا يقتصر على أوروبا وحدها، وإن كانت الأخيرة الأكثر صراحة في التعبير عنه.
في المقابل، يستند “فيفا” إلى أرقامٍ اقتصادية ورياضية تعزز قناعته بمواصلة التوسع، بغية تأمين موارد إضافية لتمويل برامج تطوير الاتحادات الوطنية حول العالم. ومن هذا المنظور، يرى إنفانتينو أن توسيع قاعدة المشاركة يخدم نمو اللعبة عالمياً، لا مجرد زيادة العائدات.
الوقائع التي صاحبت كأس العالم الأخيرة تكشف أن الخلاف تجاوز مسألة عدد المنتخبات، فقرار تشيفرين مقاطعة النهائي، ورفض “يويفا” بعض التعديلات التنظيمية، وتوجيه دعوة الى الحكم الصومالي عمر عبد القادر أرتان لإدارة كأس السوبر الأوروبي بعد غيابه عن المونديال إثر منعه من دخول الولايات المتحدة، وطريقة التعامل مع منتخب ايران، حملت جميعها رسائل سياسية ورياضية تعكس اتساع الفجوة بين المؤسستين.
واللافت أن هذه الخلافات تأتي في وقت لا يواجه فيه إنفانتينو معارضة حقيقية، إذ يعتمد على أصوات الاتحادات الوطنية المستفيدة من برامجه التمويلية، كما أن مشاريعه التوسعية تحظى بتأييد داخل مجلس “فيفا”.
الملفات المتعددة التي انفجرت خلال كأس العالم تشير إلى صدام أعمق يتعلق بفلسفة إدارة اللعبة، ففي الوقت الذي يدفع فيه “فيفا” نحو مزيد من التوسع والتجديد في شكل البطولة وآلياتها، يتمسك “يويفا” بنهجٍ أكثر تحفظاً، يضع استقرار القوانين والحفاظ على هوية المسابقة في مقدم أولوياته.
ومع استمرار النقاش حول مونديال 64 منتخباً، ومستقبل قوانين اللعبة، وشكل البطولات الكبرى، يبدو أن كرة القدم مقبلة على مرحلة يتداخل فيها الرياضي بالإداري والسياسي أكثر من أي وقت مضى، وأن التحدي أمام “فيفا” لن يكون فقط في تمرير مشاريعه، بل في الحفاظ على توافق المنظومة الكروية العالمية حولها.
