العلوم والتكنولوجيا

بين دمشق و”حزب الله”… هل تُفتح قنوات الأمس على تسويات الغد؟

0 0
Read Time:2 Minute, 45 Second

لم يكن تصريح الرئيس السوري أحمد الشرع بشأن استعداده للحوار مع “حزب الله” إن كان ذلك يخدم مصالح سوريا ولبنان مجرد موقف عابر. فالرجل الذي خاض لسنوات طويلة مواجهة سياسية وعسكرية مع الحزب خلال الحرب السورية، يدرك أكثر من غيره حجم الرمزية التي يحملها كلام من هذا النوع، كما يدرك الرسائل التي يوجهها إلى الداخل السوري والخارج الإقليمي في آن واحد.

 

صحيح أنه لا توجد حتى الآن معلومات مؤكدة عن وجود قنوات تفاوض رسمية ومباشرة بين دمشق و”حزب الله”، إلا أن مجرد فتح الباب أمام فكرة الحوار يمثل تحولاً سياسياً لافتاً قياساً إلى الخطاب الذي ساد خلال السنوات الماضية. فالعلاقة بين الطرفين لم تكن مجرد خلاف سياسي عادي، بل كانت إحدى أكثر صفحات الحرب السورية تعقيداً وحساسية.

 

لكن المنطقة التي تتغير بسرعة منذ أشهر تبدو اليوم أقل اهتماماً بسرديات الماضي وأكثر انشغالاً بترتيبات المستقبل. ومن هنا يمكن فهم كلام الشرع في سياق أوسع من مجرد العلاقة الثنائية مع الحزب.

 

فالسلطة الجديدة في دمشق لا تتحرك بمعزل عن شبكة من الحلفاء والرعاة الإقليميين الذين أسهموا في تثبيت النظام الجديد ودعمه سياسياً واقتصادياً. وفي مقدمة هؤلاء تأتي تركيا التي باتت اللاعب الأكثر تأثيراً في المشهد السوري الجديد. ورغم التناقضات التي حكمت العلاقة بين أنقرة و”حزب الله” خلال سنوات الحرب، فإن البراغماتية السياسية لطالما سمحت بوجود قنوات اتصال غير مباشرة وتقاطعات مصالح عند الضرورة.

 

إلى جانب تركيا، تبدو قطر مرشحة للعب دور أكثر أهمية في أي تواصل محتمل. فالدوحة التي تربطها علاقات وثيقة بالإدارة السورية الجديدة، لم تقطع في الوقت نفسه خطوط التواصل مع مختلف القوى اللبنانية، بما فيها “حزب الله”. وسجل الوساطات القطرية في المنطقة يجعل منها جسراً طبيعياً لأيّ محاولة لتبريد التوترات أو بناء قنوات حوار جديدة.

 

أما السعودية، فبرغم استمرار التباعد السياسي بينها وبين الحزب، فإنها أصبحت جزءاً من البيئة الإقليمية الجديدة التي تقوم على إدارة الأزمات لا على تفجيرها، خصوصاً بعد سلسلة التسويات التي شهدتها المنطقة خلال الأعوام الأخيرة. ومن هنا فإن أي انفتاح سوري على الحزب لن يكون بالضرورة خارج السياق العربي العام الذي يفضّل الاستقرار على المواجهة المفتوحة.

 

وفي خلفية المشهد كله يبرز الاتفاق الأميركي – الإيراني الأخير وما حمله من مؤشرات إلى مرحلة مختلفة في المنطقة. فالتفاهمات الكبرى لا تبقى محصورة بالعناوين النووية أو الأمنية، بل تنعكس عادة على الملفات المرتبطة بنفوذ طهران وحلفائها، وفي مقدمها لبنان وسوريا.

 

عنصر في

عنصر في

 

لذلك قد يكون السؤال الحقيقي اليوم ليس هل هناك قناة تواصل قائمة بين دمشق و”حزب الله”، بل هل بدأت المنطقة فعلاً إعداد الأرضية السياسية لمرحلة جديدة من العلاقات بين الطرفين. مرحلة لا تقوم على التحالف القديم الذي كان قائماً في عهد الرئيس السوري السابق بشار الأسد، ولا على القطيعة التي فرضتها سنوات الحرب، بل على مقاربة مختلفة تحكمها المصالح الأمنية والاستقرار الحدودي ومتطلبات التسويات الإقليمية.

 

في هذا السياق، تبدو عبارة الشرع أبعد من مجرد موقف ديبلوماسي. فهي تعكس انتقال دمشق الجديدة من منطق الصراع المفتوح إلى منطق إدارة الوقائع القائمة. فـ”حزب الله”، سواء اختلفت معه دمشق أو اتفقت، يبقى لاعباً أساسياً في المعادلة اللبنانية وعلى الحدود المشتركة بين البلدين.

 

من هنا، قد يكون تصريح الرئيس السوري أول إشارة علنية إلى مسار لا يزال في بداياته، لكنه يعكس بوضوح أن الشرق الأوسط الذي يتشكل بعد الاتفاقات والتفاهمات الأخيرة ليس هو نفسه الشرق الأوسط الذي عرفته المنطقة خلال العقد الماضي. وفي مثل هذه التحولات، غالباً ما تبدأ التسويات بكلمات قبل أن تتحول إلى قنوات، ثم إلى وقائع سياسية جديدة.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *