العلوم والتكنولوجيا

مونديال 2026… حين أصبحت الجاليات بديلاً من الأكاديميات

0 0
Read Time:2 Minute, 33 Second

لم يعد مشهداً استثنائياً أن يسجل لاعب ولد في السويد، وهو ياسين العياري، هدفاً في شباك منتخب بلده الأصلي تونس، أو أن يقود لاعب نشأ في فرنسا منتخب المغرب، أو أن يرتدي لاعب تدرج في الأكاديميات الأوروبية قميص السنغال أو الجزائر أو غانا.

لكن في كأس العالم 2026، تحولت هذه الظاهرة إلى جزء من المشهد الطبيعي للعبة، حتى بات نحو ربع لاعبي البطولة يمثلون دولاً غير تلك التي ولدوا فيها.

وفي وسط الاحتفاء المتزايد بنجاح المنتخبات في استقطاب أبناء الجاليات، يبرز جدل واسع حول الهوية والانتماء والجنسية، وبين من يجب أن يستفيد من اللاعب موطنه الأصلي أو المهجر حيث نشأ وترعرع؟

اللاعب الذي يصل إلى كأس العالم لا تصنعه الأوراق الثبوتية، ولا الروابط العائلية، ولا قرار تغيير الولاء الدولي. قبل كل ذلك كانت هناك أكاديمية اكتشفته، ومدربون طوروه، ومنظومة عمل استثمرت فيه لسنوات طوال. وعندما يظهر أخيراً على المسرح العالمي، يبدأ الصراع على القميص الذي سيرتديه، لا على الجهد الذي صنعه.

 

منتخب فرنسا تشكل من أكبر خزان للمواهب في العالم. (وكالات)

منتخب فرنسا تشكل من أكبر خزان للمواهب في العالم. (وكالات)

 

لهذا يبدو بعض القراءات التي خرج بها مونديال 2026 مقلوباً رأساً على عقب. فالبعض رأى في الانتشار الواسع للاعبين المزدوجي الجنسية دليلاً على أن استقطاب أبناء الجاليات أصبح مفتاح النجاح في كرة القدم الحديثة. والحقيقة أن البطولة أثبتت شيئاً مختلفاً تماماً، وهو أن الدول التي تنتج اللاعبين لاتزال الرابح الأكبر، حتى عندما يرتدي هؤلاء اللاعبون قمصان منتخبات أخرى.

يكفي النظر إلى فرنسا التي تحولت إلى أكبر خزان للمواهب في العالم، إذ ولد فيها عشرات اللاعبين الموزعين على منتخبات مختلفة، أو نشأوا داخل المنظومة الفرنسية أو تكونوا فيها على غرار أكاديمية كلير فونتين وغيرها من أكاديميات الأندية، بالتالي ينسب النجاح إلى الدولة التي صنعت اللاعب من الأساس، الأمر نفسه ينطبق بدرجات متفاوتة على ألمانيا وهولندا وبلجيكا وإنكلترا.

وعند هذه النقطة تظهر المفارقة التي يكشفها المونديال، فبينما ينشغل بعض الاتحادات بملاحقة اللاعبين في ضواحي باريس وأمستردام وبروكسل، تواصل تلك المدن إنتاج أجيال جديدة من اللاعبين. وبينما يحتفل البعض بقدرته على استقطاب لاعب جاهز، تواصل الأكاديميات التي خرج منها هذا اللاعب العمل على صناعة عشرات غيره.

لا أحد يستطيع الاعتراض على حق المنتخبات في الافادة من أبنائها المنتشرين حول العالم. هذه حقيقة فرضتها الهجرة والعولمة وتداخل الهويات. كما أنه لا يمكن مطالبة لاعب يملك أكثر من انتماء قانوني وعائلي وثقافي بأن يتجاهل جزءاً من هويته. وتكمن المشكلة بتحول الاستقطاب من أداة دعم إلى مشروع كامل، وعندما يصبح البحث عن لاعب جاهز بديلاً من صناعة لاعب جديد. 

عندها لا يعود السؤال متعلقاً بالهوية، بل بالمشروع، لأن المنتخبات التي تبني مستقبلها على ما تنتجه أكاديميات الآخرين تبقى رهينة ما يقرر الآخرون إنتاجه. أما المنتخبات التي تستثمر في التكوين فتملك القدرة على تجديد نفسها جيلاً بعد جيل، سواء أفادت من الجاليات أم لم تستفد.

 

 

لم يعد السؤال في مونديال 2026 من يملك الحق في اللاعب، بل من يملك الفضل في صناعته. فالمنتخبات التي تتباهى اليوم باستقطاب أبناء الجاليات قد تكسب لاعباً أو جيلاً كاملاً، لكنها لن تكسب المستقبل ما لم تملك القدرة على إنتاج لاعبين جدد. وفي عالم تتسابق فيه الاتحادات على اقتناص الثمار، يبقى الفارق الحقيقي بين الكبار وغيرهم أن بعضهم يزرع الأشجار، فيما يكتفي الآخرون بحصاد ما زرعه سواهم.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *