كيف تُكوِّن صداقات جديدة مع التقدّم في العمر؟
كلما تقدم الإنسان بالعمر، تصبح عملية تكوين الصداقات أصعب، ليس لأن الناس لم تعد بحاجة للعلاقات، بل لأن العوامل النفسية والاجتماعية تتغيّر بشكل كبير مع الوقت. لذا قد تجد نفسك وحيداً، أو يصعب عليك الدخول في مجموعات جديدة.

لماذا يصعب تكوين الصداقات مع التقدم بالعمر؟
توضح المعالجة النفسية أليسا رشدان في حديثها لصحيفة “النهار” أن مرحلة الطفولة والمراهقة وبداية العشرينات تتميّز ببيئة اجتماعية تفرض فرصاً يومية للتواصل، مثل المدرسة والجامعة والنشاطات المختلفة، إضافة إلى أن وقت الفراغ يكون أكبر. في هذه المراحل، غالباً ما تتكوّن الصداقات بشكل عفوي نتيجة الاحتكاك المستمر والتشابه في المرحلة العمرية.
أمّا مع التقدّم في العمر، فتصبح الحياة أكثر فردية وتنظيماً حول المسؤوليات المختلفة مثل العمل والعلاقات العاطفية والزواج وتربية الأولاد والضغوط الاقتصادية، إضافة إلى الإرهاق النفسي، وفق رشدان. لذلك تقلّ الفرص الطبيعية لتكوين علاقات جديدة.

ومن الناحية النفسية، يميل الإنسان مع التقدّم في العمر إلى مزيد من الانتقائية في العلاقات. ووفقاً لنظرية تُعرف باسم نظرية الانتقائية الاجتماعية العاطفية (Socioemotional Selectivity Theory) التي وضعتها عالمة النفس Laura Carstensen، فإنّ الإنسان، عندما يشعر بأنّ الوقت أصبح أكثر قيمة، يبدأ بالتركيز على العلاقات العميقة والمريحة عاطفياً بدلاً من توسيع دائرته الاجتماعية. لذلك نلاحظ أنّ الأشخاص الأكبر سناً يميلون إلى الحفاظ على عدد أقل من الأصدقاء، لكن بعلاقات أكثر عمقاً ومعنى.
والتقدّم في العمر غالباً ما يكون مرتبطاً بتجارب سابقة من الخيبات أو فقدان الثقة، توضح رشدان، ما يجعل الفرد أكثر حذراً في الانفتاح على الآخرين. فبناء الصداقة يحتاج إلى قدر من الانفتاح والضعف العاطفي، وهو ما يصبح أصعب بعد المرور بتجارب مؤلمة أو بعد تشكّل دفاعات نفسية أقوى مع الوقت.
ومن المهم أيضاً الإشارة إلى أن تكوين الصداقات في مراحل عمرية متقدمة يحتاج إلى جهد واعٍ وليس مجرد صدفة. فبناء علاقة قريبة يتطلب وقتاً وتكراراً في التفاعل وجودة في التواصل، بينما أصبح نمط الحياة الحديث سريعاً ومليئاً بالتشتت، مما يصعّب إنشاء روابط ثابتة. لكن هذا لا يعني أن تكوين الصداقات يصبح مستحيلاً مع التقدّم في العمر، بل على العكس، فإن الصداقات التي تُبنى لاحقاً في الحياة تكون غالباً أكثر نضجاً وصدقاً، لأنها تقوم على التوافق النفسي والقيمي، وليس فقط على الظروف أو المرحلة العمرية.
ما هي السبل لتكوين هذه الصداقات؟
– غيّر البيئة التي تتواجد فيها، فالصداقات لا تبدأ من الفراغ، بل من تكرار اللقاء. لذا، ادخل إلى أماكن فيها نفس الأشخاص بشكل مستمر، مثل: دورات تعليمية أو تدريبية، نوادٍ رياضية أو صفوف لياقة، نشاطات تطوعية، مجتمعات مهنية أو ثقافية.
– ابدأ بتواصل بسيط وليس عميقاً، ففي البداية. يكفي سؤال بسيط، تعليق خفيف، ابتسامة أو تحية.
– ركّز على الاهتمامات المشتركة، واسأل نفسك ماذا أحب أن أفعل؟ أين أجد أشخاصاً يشاركونني هذا الاهتمام؟
– كن مبادراً بشكل خفيف، مثلاً اقترح قهوة بعد نشاط مشترك، أرسل رسالة بسيطة بعد اللقاء، تابع التواصل دون ضغط.
– تقبّل أن الصداقات تحتاج وقتاً
– لا تبحث عن الكمال في العلاقات، فليس كل شخص ستلتقي به سيكون صديقاً قريباً. لكن المهم هو الانفتاح، التجربة، وإعطاء فرص متعددة.
– استخدم العالم الرقمي بذكاء، إذ يمكن لوسائل التواصل أن تكون وسيلة للبدء، لكنها ليست كافية وحدها. فالأفضل هو أن تتعرّف عبر الإنترنت، ثم أن تنتقل إلى لقاء واقعي عند الإمكان.
