دستور لبنان والدولة المدنية الصعبة المنال
مئة سنة على الدستور اللبناني، أي ما قبل قيام الجمهورية التي نحتفل عادة بذكرى استقلالها. دستور قديم، وعريق، كأنه مقدس، لم تُتح له فرص التطوير إلا تحت النار.
الدستور اللبناني يتحدث عن دولة علمانية، أو لنقُل مدنية، تحترم الأديان والطوائف والمعتقدات والشعائر، ولكن ليس لها دين دولة. الدولة نفسها تتوزع المناصب وفق حصص طائفية ومذهبية تتحكم في كل مفاصل الحياة. هذا التوزع يستفيد منه الجميع، ويشكوه الجميع في آن واحد. يستفيدون من مكاسبه وغنائمه وامتيازاته، لكنهم في الوقت عينه يطمحون إلى المزيد تحقيقاً للمقولة “ما لي هو لي، وما لك هو لي ولك”.
الجميع يغرّدون لإلغاء الطائفية السياسية، لكنهم في الواقع لا ينشدون هذا الهدف نحو دولة مدنية علمانية حقيقية، دولة مواطنة. الذين يشعرون بفائض القوة والعدد يريدون إلغاء الطائفية السياسية للقبض على كل المواقع، والذين يشعرون بثقل الديموغرافيا يخشون الخطوة التي يمكن أن تتحول إلغائية لهم، لكون الإلغاء عبر النصوص لا يعني إلغاء عبر النفوس الجائعة إلى السيطرة والتمدد.
من هنا يصبح الحديث عن المادة 95 كأنها تختصر مشكلة الدستور اللبناني، إذ كلما لاح تأزم في الأفق، رُفع شعار المادة 95، الأكثر إثارةً للجدل ربما في الحياة السياسية اللبنانية، لأنها تقع عند تقاطع فكرتين متناقضتين ظاهرياً: تكريس التوازن الطائفي من جهة، والسعي إلى إلغاء الطائفية السياسية من جهة أخرى. وقد تحوّلت هذه المادة، منذ تعديلها بعد اتفاق الطائف، إلى محور نقاش دائم حول طبيعة الدولة اللبنانية وحدود الإصلاح السياسي فيها.
تنص المادة 95 بعد تعديلها على مرحلتين أساسيتين: مرحلة انتقالية تقوم على التمثيل الطائفي في الوظائف العامة والفئات العليا، بما يضمن الوفاق الوطني، ومرحلة تالية نهائية تهدف إلى إلغاء الطائفية السياسية تدريجاً. لكن آليات تطبيق الدستور أبقت المرحلة الانتقالية مفتوحة من دون سقف زمني، لأن مضمونها جاء ثمرة تسوية غير ناضجة، تسعى إلى دولة مدنية غير واضحة المعالم أيضاً.
فهل هناك إرادة سياسية حقيقية لإلغاء الطائفية؟ وهل يحقق الإلغاء في حال حدوثه عبوراً إلى “المدنية”، أو يكرّس غلبة طائفة على أخرى، ما دام فصل الدين عن الدولة متعذراً في الإسلام؟
لا ترتبط الطائفية في لبنان بالدستور فقط، بل ببنية المجتمع والاقتصاد والخوف الجماعي والذاكرة التاريخية للحرب.
فالطائفة في لبنان ليست مجرد هوية دينية، بل شبكة حماية اجتماعية (مدارس وجامعات ومستشفيات ومياتم ودور رعاية)، إطار تمثيل سياسي، وقناة للحصول على الخدمات والوظائف.
لذا، فإن إلغاء الطائفية السياسية لا يمكن أن يتم بنص دستوري فقط، بل يحتاج إلى بناء دولة عادلة، واستقلال القضاء، ونظام ضمان اجتماعي شامل، وقانون انتخاب خارج القيد الطائفي، وتقسيمات إدارية جديدة، وتقوية المؤسسات الرسمية وزيادة فاعليتها، وضمان ألا تتدخل القوى السياسية في مسار التوظيفات والمناقصات وما إليها، ووحدانية السلاح، وبالطبع وحدانية القرار السياسي، وتطبيق اللامركزية الإدارية الموسعة، وإصدار مناهج تربوية شبه موحدة، وضمان مراقبة الأداء في المؤسسات الطائفية وخصوصا التربوية، وإنشاء أحزاب مختلطة عابرة للطوائف.
أمام هذه الضرورات تبقى المادة 95 معلّقة بين مشروعين: مشروع الدولة المدنية الصعبة المنال، ومشروع النظام الطائفي التوافقي المتعثر.
