شاكر بو عبد الله لـ”النهار” النكتة ليست جريمة في هذا البلد
كنتُ أنتظره دائماً بفارغ الصبر. ذلك الكوميدي البارد الطبع، صاحب أسلوب “السهل الممتنع”، شاكر بو عبد الله. في حضوره هدوءٌ خاص، هدوء يشبه اللحظة التي تسبق العاصفة… لكن عاصفته من نوع آخر؛ مضحكة بشكلٍ مبكٍ إيجابي . لا يعتمد على المبالغة، ولا يرهق نفسه بمحاولات الإبهار، بل يترك لنظراته وحركاته البسيطة أن تقول كل شيء.
متمكن من نصوصه، خفيف من دون افتعال، عفوي إلى درجة تشعرك بأنه يشبه ذلك الصديق الذي لا تحلو الجلسة إلا بوجوده. يقترب من الأفكار التي نخفيها عادةً ونخشى البوح بها، لكنه ينجح دائماً في قولها عنا… وبأسلوب يجعلنا نضحك، ثم نفكر طويلاً.
لم يخطط يوماً لأن يصبح كوميدياً. كلّ شيء، كما يقول شاكر بو عبد الله لـ”النهار”، حدث مصادفة. كان هدفه في البداية التسلية فقط، لكن خفّته و”هضامته” كما تُقال باللبنانية، دفعتاه تدريجاً إلى هذا العالم.
ويضيف: “شعرت أن لديّ موهبة، وأنني أستطيع إضحاك الناس، فتوجّهت إلى هذا المجال حتى أصبح اليوم جزءاً من حياتي وعملي”.
ينظر شاكر إلى الحياة بمنظار مختلف دائماً. الأشياء التي اعتدنا عليها، يتعامل معها كأنّه يراها للمرة الأولى، ويتحدث عنها من زاوية غير مألوفة. وهذا تماماً ما ينعكس في عروضه، حيث تتحوّل التفاصيل اليومية العابرة إلى مادة للتأمل والضحك معاً.
فطريقته في مراقبة الأشياء وسرده لها تمنح بعض المواضيع بعداً فلسفياً عميقاً، إلى درجة أن كثيرين يرون في كوميدياه شيئاً من الوجودية والتأمل، لا مجرّد النكتة العابرة.
تحدّثنا أيضاً مع شاكر بو عبد الله عن الصمت الذي قد يواجه الكوميدي أحياناً على المسرح، ذلك الصمت الثقيل الذي يعتبره جزءاً أساسياً من المهنة. ويوضح أن الأمر قد يكون أحياناً جزءاً من العرض نفسه، أو ربما لأن الكوميدي ببساطة ليس المفضل لدى بعض الحاضرين، وفي أحيان أخرى قد يطغى التعب على الفنان فينعكس على أدائه.
لكن، بالنسبة إليه، يبقى الصمت جزءاً طبيعياً من تجربة الـ”ستاند أب كوميدي”. ويقول ضاحكاً: “هي لحظة مؤلمة بلا شك، لكن مع الوقت يعتاد الشخص عليها… وفي النهاية، الجميع ينسون ما حصل، وغداً يوم آخر”.
ومن بعد الصمت، كثيراً ما يتعرّض الكوميدي أيضاً للهجوم، خصوصاً في لبنان، بسبب كلمة أسيء فهمها أو دعابة لم يتقبلها البعض. ومن هنا، عبّر شاكر بو عبد الله بكل وضوح عن أمنيته بأن يحمّل الناس الكوميديين مسؤولية أقل، وأن يتعاملوا مع النكتة على أنها ليست جريمة في هذا البلد.
ويقول إن البعض يتعامل معهم كأنهم “مجرمون” أو “مخربون”، بينما كل ما يحاولون فعله هو كتابة النكات، وإضحاك الناس، وتجربة التفكير بطريقة مختلفة. ويضيف أن المشكلة ربما تكمن في فكرة الاختلاف نفسها، فكل شخص يحاول أن يغرد خارج السرب يتحول إلى مشكلة بالنسبة للآخرين.
ويرى بو عبد الله أن الناس بطبيعتها لا تحب التغيير، وأي شخص يحاول أن يقدّم شيئاً مختلفاً غالباً ما يجعلونه يشعر بأن ما يفعله خطأ، فقط لأنه قرر أن ينظر إلى الأمور بطريقةٍ جديدة.
أما عما إذا كان الضحك أو الكوميديا علاجاً نفسياً، فلا يرى أن الأمر يصل إلى هذا الحد، إذ يعتبر أن الكوميديا ليست علاجاً في ذاتها، بل وسيلة للتعامل مع التروما والضغوط.
فعندما يمرّ الإنسان بتجربة صعبة أو موقف سيّئ، فإنه يبحث عن طريقة للتعبير عمّا في داخله وتخفيف وطأته عليه، وهنا يأتي دور الضحك والكوميديا مساحةً للتفريغ النفسي.
لكن، بحسب شاكر، هذا لا يرقى إلى مستوى العلاج النفسي، بل هو أقرب إلى “فشّة خلق” كما يُقال شعبياً، أي وسيلة بسيطة لتخفيف الضغط ومشاركة الإحساس مع الآخرين عبر الضحك، ولو بشكل موقت.
لا تقتصر موهبة شاكر على المسرح فحسب، فهو يمتلك أيضاً قلماً جميلاً يكتب به ما يشعر به. وعن تجربته في كتابه L’Enfance malgré tout، أي “الطفولة رغم كل شيء”، يوضح أن القصة بدأت فكرةً تعيش في رأسه، ثم نُسجت بخيوطٍ من حياته الشخصية وحكايات أخرى قريبة منه.
وتحدّث عن شخصية “شادي”، التي جمع فيها ثلاث شخصيات مختلفة: شخصيته هو، إلى جانب شخصيتين أخريين، فدمج تجارب ومشاعر متعدّدة داخل شخصية واحدة. ويعتبر هذه التجربة من المحطات التي يفتخر بها كثيراً، مؤكداً أنه سيكررها مجدداً من خلال قصة أخرى يعمل عليها حالياً.
