العلوم والتكنولوجيا

لبنان واتفاق الهدنة: التشابك بين الحرب والمفاوضات والميثاق وشباك المرحلة (2)

0 0
Read Time:11 Minute, 54 Second

جبران صوفان

سفير لبنان لدى الأمم المتحدة في جنيف سابقاً

 

 

 

الملخّص عن الجزء الأوّل

اتفاق الهدنة العامة بين لبنان وإسرائيل لعام 1949 يشبه إلى حدّ كبير بالمعنى المجازي الصورة العزيزة التي لها إطار يناسبها ويحميها من التلف، وبعناية الأسرة  تغدو متألقة بمعانيها، محفوظة في القلوب وأمام العيون . فالقرار رقم 62 الذي أعتمده مجلس الامن الدولي بتاريخ 16 تشرين الثاني 1948 هو إطار الأتفاق.  ولما كان “الوضع في فلسطين يشكّل تهديداً للسلام” و”من أجل إزالة التهديد له” ، قرّر  المجلس إقامة هدنة في جميع قطاعات فلسطين  ودعا “جميع الاطراف ذات العلاقة المباشرة بالنزاع” ومنها لبنان إلى ” السعي للاتفاق حالاً …على إقامة هدنة دائمة فورية عن طريق المفاوضات التي تجري مباشرة أو بواسطة الوسيط  بالوكالة (للامم المتحدة)” . وأناط المجلس بالمنظمة الدولية دوراً في متابعة التنفيذ ومراقبة خطوط الهدنة ، علماً بأن القرار المذكور لا يأتي على ذكر إسرائيل وإن كانت مقصودة ،إذ لم تكن قد أصبحت دولة معتمدة في الامم المتحدة  بعد، ولتلافي المصاعب الناتجة عن عدم اعتراف الدول العربية بها.

 

في الجزء الأول من مقالي، عرضت لميزات اتفاق الهدنة  اللبنانية -الإسرائيلية وأهمها بالنسبة لسواها هي المادة 5 فقرة1 حيث “يتبع خط الهدنة الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين”، بمعنى أن خط الهدنة وخط الحدود هما واحد ولا فجوة بين الاثنين، كما أن الحدود مرسّمة قبل اتفاق الهدنة  وبعده  استناداً إلى الإتفاق المذكور، ومعترف بها دوليا”، ما يقتضي  برأيي حماية هذه الحقوق المشروعة خلال المفاوضات، خاصة وأن إسرائيل تعتبر ذلك الاتفاق ساقطاً منذ عام 1967، وهو موقف  يتعارض مع مضمونه الذي لا يجيز التعديل بصورة منفردة، كما ذكر أمين عام الامم المتحدة في الفقرة 43 من  مقدمة تقريره عن أعمال المنظمة تاريخ 1968 ولاحتى تعليقه من طرف واحد.  وبالرغم من أن اتفاقات الهدنة “لا تعتبر  أساساً لطراز حياة دائم في الشرق الاوسط بل مجرّد خطوة نحو السلام”، كما يقول الامين العام في التقرير ذاته، فإن أي ” تطوير” لإتفاق الهدنة أو البناء عليه مستقبلا بموجب أية صيغة إضافية أو مكمّلة يتطلب اليقظة الكاملة للأسباب التي ذكرتها ، خاصة وأن مجلس الأمن الدولي صدّق عليه  بقراره رقم 73(1949) وأكّد صلاحيته حرفياً  بالقرار 450 فقرة 6 لعام  1979، ويستند إليه كمرجعية في قراراته الخاصة بلبنان.

 

إن البحث في مواد الاتفاق وبخط الهدنة واللجنة المشتركة المنبثقة عنه شكّل لي مناسبة لاستعراض  اللجان  والخطوط الملوّنة في  معظم التفاهمات أو المراجع التي تعني لبنان مثل خط الهدنة أو الخط ألاخضر والخط الأزرق والخط الأصفر والخط الأحمر . كذلك، يصادف أن كل لون يعني رمزاً أو “هوية بصرية” في المعترك السياسي اللبناني، ولا ينقصنا إلا قوس القزح وزهو الطاووس، إيذاناً  ببزوغ فجر آخر. وليس سراً في طبيعة اليوم التالي لجهة إنبلاج النور أو المراوحة في العتمة ، مؤثرات الحرب والمواقف السياسة التي أجدها متباعدة إلى حدّ المغامرة بالميثاق الوطني، مع توجيه الحراب على المفاوضات من الداخل  ومن الخارج.    

 

أولاً – حرب على الجبهات وحراب على التفاوض

كلما أثير موضوع  التفاوض مع إسرائيل، كنت أتساءل أيهما أقل مشقة، حماية لبنان في الداخل أم حمايته من الخارج. وأعتقد بأن المفاوض اللبناني سيواجه جبهتين، ما يتطلّب وقاية ظهره وحماية صدره. يواجه لبنان عدواً لا يأبه للقوانين الدولية، قتل ودمّر وجرف في غزّة ويعاود الكرّة في لبنان  حيث سقوط المدنيين  والمسعفين والصحفيين هو مجرد”ضرر جانبي” بالرغم من أن الاسلحة “الذكية” المستعملة والمصمّمة بدقة متناهية قادرة باعتقادي على التمييز بين الاهداف وفقاً للقانون الدولي الانساني . ولا شك بأن رئيس الحكومة اللبنانية يدرك فداحة انتهاكات إسرائيل وهو المعروف بمسيرته القانونية والدولية الحافلة. وتزيدني خشية أطماعها التوسّعية القديمة والمشابهة لحمّى التيفوئيد التي ترتفع ثم تخمد ومن ثم تعاود الارتفاع حتى بلوغ الدرجة القصوى.

 

وقد بدأت المطامع تتبلور في مطلع القرن العشرين ولا سيما خلال مفاوضات Sykes – Picot عام 1916 عندما طالب ممثلا الحركة اليهودية حاييم وايزمن ودايفيد بن غوريون بتوسيع حدود الوطن القومي اليهودي مستقبلاً لغاية الليطاني، فلم يلاقيا تجاوباً. وتكرّرت المحاولة  في ٣ شباط 1919  خلال  انعقاد مؤتمر الصلح في باريس لضمّ مساحة واسعة من الجنوب بما فيها منابع ومجرى الليطاني استكمالاً لمشروع  الكيان العتيد ، فرفضت فرنسا مرات هذا الطلب. ومنذ عام ١٩٤٨ كُشف النقاب عن مشاريع أخرى مماثلة،  ولكن الاحداث أخذت منحى تصاعدياً بدءاً بالعام ١٩٦٨ عندما أغارت القوات الإسرائيلية الجوية على مطار بيروت الدولي، فأسفر الهجوم عن تدمير ١٣ طائرة تابعة لشركة طيران الشرق الأوسط. وتوالت  الاعتداءات  والإحتلالات  الإسرائيلية على لبنان ، فكان ساحة لتصفية حسابات الآخرين فيه وعليه ومنه. ولكنه لم يستكن  محققاً انتصارات دبلوماسية في الأمم المتحدة بتعاطف المجتمع الدولي معه، منها قرارات مجلس الامن ٢٦٢ (١٩٦٨) الذي “يدين إسرائيل لعملها العسكري المتعمّد … ضد مطار بيروت الدولي المدني ” كما جاء في الديباجة والفقرة العاملة 1،  والقرار 332 تاريخ 21 نيسان 1973 الذي تضمّن إدانة أخرى لانتهاكها سيادة لبنان ، إثر إنزال قوة على شاطئ الاوزاعي في 10 نيسان 1973 واستهدافها  في فردان قيادات فلسطينية  . وكرّر المجلس الادانة بعد أشهر قليلة في 10 آب من السنة ذاتها  لدى “اختطاف سلاح الجو الإسرائيلي طائرة لبنانية مدنية مؤجرّة للخطوط الجوّية العراقية” . وتحقّق للبنان إنشاء اليونيفل وانتشارها بموجب القرارين 425، 426 (1978) ، وتعزيزها  من حيث عدد حفظة السلام ( 15000 جندي) والمعدّات والولاية ونطاق العمليات وفقاً للقرار 1701(2006). وبحسب معلوماتي، آثرت الحكومة اللبنانية آنذاك إنشاء القوة الدولية على الإدانة ، فالأولى عملية فيما الثانية غير مضمونة و”لا تطعم خبزاً”.

 

وفي آخر مرحلة، وبدلاً من اعتماد الحكمة المقترنة باليقظة وتفادي الانجرار إلى النزاع المسلّح بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران عام ٢٠٢٣، أقحِم لبنان في الحرب على مرحلتين رغم تحذيرات الدول الشقيقة والصديقة ، إسنادا لغزّة وإيران بإخلال واضح بالمادة 65 من الدستور التي أناطت الحرب والسلم بمجلس الوزراء وكأن لبنان بلد واحد بدولتين وجيشين، فيما طبيعة النظام اللبناني تستوجب الإحجام عن أي تصرّف يعكرّ صفو العيش المشترك لأن  المواثيق الوطنية ليست مجرد عقود بين المكوّنات بل هي  “تعهّدات وطنية» (ادمون رباط) “لخدمة الأهداف المنبثقة عن تكاتف المواطنين وإرادتهم في العيش المشترك وهي الأمن والسلام والرفاهية للجميع والحماية المتبادلة “( Droit Constitutionnel ,Philippe Ardant, le contrat social)  

 

وعلى وقع حربين مستعرتين، واحدة على حدوده والاخرى ضمن نظامه ، باشر لبنان بالتفاوض مع إسرائيل. وبرأيي ، لا تشي البداية  بالتفاؤل الكبير، وإن يكن لا بدائل مؤاتية عن الحوار،  ليس فقط  بسبب الروزنامة الإسرائيلية المتشدّدة  من جهة  وتمادي المؤثرات الخارجية على الساحة اللبنانية من جهة أخرى بل لأنه لا يمكن عزل أي مفاوض عن مفاعيل أزمة وجودية في بلاده ، أكانت طبيعية أو مفتعلة ، وعن تراكم الازمات الإجتماعية والإقتصادية والمالية  في بلد متعب و” تفاقم آثارها المدمّرة نتيجة الصراع والنزوح” حسب تقارير البنك الدولي. ويتلهّى برأيي السياسيون اللبنانيون في المبارزات الكلامية  وتتفاوت المواقف بين الترحيب بالمفاوضات ومعارضتها  إلى حدّ رفضها جملة وتفصيلاً بتناسي  سابقة تفاوض لبنان  مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية، عقب مؤتمر مدريد، في الفترة الممتدة من نهاية عام 1991 وحتى العام ١٩٩٣، حين ترأس الوفد اللبناني الامين العام الاسبق لوزارة الخارجية السفير سهيل شماس وضمّ نخبة من السفراء اللبنانيين. وأذكر من خلال خدمتي في واشنطن آنذاك بأن الشماس تجاوز التدابير  التنظيمية التي سبقت المفاوضات عندما بادر إلى وضع آلة التسجيل على طاولة التفاوض، حرصاً منه على الاحتفاظ بمحاضر دقيقة وموثّقة أشرف شخصيّاً على إنجازها . لذلك، نلاحظ التحوّل، ففي التسعينات كان التفاوض المباشر بين الوفدين مقبولاً بل مرغوباً، والآن أصبح التفاوض المباشر مرفوضاً ومشؤوماً. لا أدري ما هو التوصيف الصحيح  لما يجري في الداخل اللبناني ، إن كنا في حالة اختلاف أو خلاف ، وإنما الثابت أن  الميثاق الوطني مصاب في الصميم ، فمن كثرة اللكمات عليه، إرتجّ وترنّح.

 

ثانياً – الميثاق الوطني الهزيل

في الواقع، قلما تمرّ ساعة دون تصريحات محتدة ومتصلّبة وبيانات صدامية واجتهادات “قانونية” فريدة وغريبة ومستغربة حول مصير السلاح وقرار الحرب والسلم ومآل الدستور منه، ومسار التفاوض وأخرى طافحة بالتخوين المألوف في البلدان المتعثّرة، تلافياً للتقويمات الواقعية الشجاعة، وباللوم والملامة، والاساءات والاهانات والاتهامات وكأننا في محاكم ميدانية أو عرفية . وناب التجافي عن التلاقي والشتيمة والشماتة عن الشيم، وكلها أمضى من السيوف القاطعة ليس فقط بالنسبة للمقامات والمرجعيات والمراجع بل أيضاً لأواصل الوطن. هذا  النموذج اللبناني مرادف للظلمة ويلامس الثرى ، فيما المطلوب الانبعاث صعوداً إلى لبنان الثريا المضيئة بكامل مصابيحها من مكوّنات ومن جماعات روحية ، وأن تنتظم بيئات الافرقاء في حبّ لبنان و” قلوبهم مجتمعة في هواه قلباً واحداً كبيراً” (فؤاد شهاب 21 تشرين الثاني ١٩٥٩)،  والاقتناع بأن مَن أحبّ قليلاً حصد كثيراً. وأخشى من تعارض  المفاهيم وسلالم القيم وأثرها على أجيال البيئات الحاضنة وصعوبات ضبطها وانضباطها ومن كثرة زلاتها، “فغياب العقل، كما نبّه قديماً فرنشيسكو غويا، يولّد وحوشاً”. وأخاف من تطاير الشرارات السياسية والإحتكاكات الاجتماعية والتي كلها مجتمعة ، دون ضوابط الإطفاء ، قد تؤدّي لاسمح الله إلى احتراق الميثاق، فلا تجدي المفاوضات عندها نفعاً.

 

قرأت مقالاً للأستاذ رضوان عقيل في “النهار” تاريخ 2 نيسان ٢٠٢٦ تناول فيه آنذاك كلمة لبنان في مجلس الأمن الدولي، وقد جاء في نهاية مقاله بأن “الحزب … مرتاح لما يدور على الارض وهذا ما نثبته في الميدان”. وفي قرارة نفسي، تساءلت يومها ماذا خلف الميدان سوى لبنانيين ميثاقيين  بالشقاء بدلاً من الرخاء ، على اختلاف مشاربهم في “بلد.. تسعى إليه النوائب من كل وجه”، كما قال طه حسين، وذروتها تملّك اليأس مشاعرهم  والتسليم بأن الوجع هو قدرهم . ولا مندوحة من السؤال ، من إنجاز الميثاق إلى وثيقة الوفاق فحرب الإسناد ، هل استقلّينا حقاً عن الانتداب وخطونا إلى الأمام؟

 

مجّرد التوقّف عند خواطر كبار رحلوا  يوفّر  بعض عناصر الجواب.

 

عام 1949، كتب جورج نقّاش رائعته بعنوان ” سلبيتان لا تبنيان أمة”، فكلّفته السجن ثلاثة أشهر، إذ لا يلقى القدير التقدير من أهل بيته ، واقتضى الامر مجيء الرئيس فؤاد شهاب كي يتولّى مناصب وزارية وإدارية  رفيعة بين عامي  1960 و1964 . في كافة الاحوال وللمقارنة مع أحوالنا، أورد  من المقال الوزير الأسبق جورج نقّاش مقتطفات عن مصطلحات أصبحت مألوفة هذه الأيام:

 

-“لا يبدو بأن هناك قوة في العالم قادرة على منع لبنان، كما هو الحال ، من التفكّك والإختفاء .

– نحن  نعيش في توازن بهلواني تحت رحمة أدنى حادث.

-لا يزال مستقبل لبنان معلّقاً على خيط رفيع.

– شعور من القلق الجماعي وانعدام الأمن يجمّد كل المبادرات.

-الحاجة دائمة إلى خونة جدد ومشتبه بهم جدد..؟”.

 

إذا كان  “النفيان” لا يشكلان أمة ، وهما  في أحسن الأحوال خطوة ناقصة في  بناء لبنان ، فيبدو تباعاً منذ تلك الفترة بأننا تراجعنا خطوات. سبعة  وسبعون عاماً مرّت  على تشخيص جورج نقاش ولم يتعافَ لبنان بعد من أعراض مرضه ، وتعاقب السنين  والمسكّنات قد تخفي العلّة وإنما تفاقم المرض.

 

 وعلى طريقته المرهفة بالأحاسيس التي تمزج  بين الصرخة والصيحة والصحوة، كتب ميشال طراد، ألايقونة الشعرية اللبنانية ، كلمات عذبة تعبّر عن عذاب اللبنانيين . وفي قصيدته ” الريح …الريح” من ديوان ” عيد الشحّادين” ( 1992) ، استوقفني ما يلي:

 

“…ناس مساكين، معترين، مشحّرين، وقلقنين، وجوعنين وعِرْينين، مْهدّمين بيوتهن، ومهجّرين، ونصّن بمستشفا مجانين، ونصّ التاني  مسافرين ، وتايهين غربا ع بلاد الله دايرين… وناس اللي بقيو محرومين وحاقدين ومظلومين…عميحفرو بسنانهن وْدَيْهن بهالعاصفي الخوتا… قبور الظالمين!”

 الحروب المتلاحقة معطوفة على البؤس المستدام تعني أزمة اتجاهات ووُجُهات وبوصلة عقول ضائعة  في مسيرة البلد . ليست العلّة بتقديري في تركيبة الميثاق الوطني بمعنى التوازن السلبي فيه وإنما في عدم تطبيقه والبناء عليه. وقد أجاد الآباء  المؤسّسون حيث تخلّف خلفاؤهم السياسيون.

 

 أخلص إلى بعض الاستنتاجات  الشخصية لمزيد من المتابعة:

 

1-    اتفاق الهدنة العامة بين لبنان وإسرائيل هو وثيقة قيّمة للغاية، بل هو “نعمة” إذا جاز التعبير باقتباس الكلمة المستحبة في البيان الوزاري لحكومة الرئيس الكبير رياض الصلح عام ١٩٤٣. وككل قيمة نفيسة، يتوجّب الحفاظ على مكتسباته ، وفي حال تطويره  حماية مضامينه السيادية .

2-    الهدنة بين السياسيين اللبنانيين ضرورة كيانية وضرورة تفاوضية دعماً للمفاوض وحفاظاً على مصالح لبنان العليا، على أن يصار إلى ترتيب أوضاع البيت اللبناني بالرويّة المفقودة، مع التنبّه إلى قول نابوليون بأنه “لا يمكن التنبؤ بنتائج المفاوضات السياسية تحت تأثير الاحتمالات العسكرية” (كتاب   The Diplomat’s Dictionary P186) ، مع إدراكي تماماً لأولويات لبنان التي حدّدها رئيس الجمهورية. وقد تكون أسوأ تلك الاحتمالات ، خلال مدار أي تفاوض، ما قاله مازحاً ذات يوم صديق عزيز لزوجته  بخصوص مقتنياتها الشخصية : “يا مراه كل ما هو لي هو لي وما لكِ هو لنا”. وعلى العموم ، في مفاوضات  تعتريها هكذا مقاربة ، يفترض  بالوسيط الموثوق والقادر تبديد هذه المخاوف.

٣- ليست المفاوضات مجالاً لتأسيس جمعية خيرية بل هي مساردبلوماسي للدفاع عن مصالح بلد وتثبيتها عبر آلية التحاور وبتحديد الأهداف. وفي حالتنا، إن الحدود البرية مرسّمة وغالباً ما يحصل الخلط بين مفهومين مختلفين وإن كانا متكاملين وهما delineation أي “الترسيم” وdemarcation  أي “التعليم” حسب مصطلحات تقارير الأمين العام للأمم المتحدة . وحيث أن الأعمال العدائية الإسرائيلية أدّت إلى ألإحتلال والجرف وإزالة معالم قرى وبلدات واستحداث الخط الأصفر، تبرز الحاجة  الماسة لإعادة تظهير وتعليم حدود لبنان بناء على ترسيمين سابقين ومرجعية اتفاق  “بوليه- نيوكومب” لعام 1923.

و يقع في صميم أي  تفاوض قاعدة  الأخذ والعطاء، والوعي  الدقيق للأثمان .وكلما انقسم لبنان في الداخل كلما أصبحت فاتورته باهظة في الخارج . ربّ سائل عن  مفهوم السلام ،   وباعتقادي ، المصطلح دقيق جدأً ويتطلب أبحاثاً،  والتعريف عنه بمختلف جوانبه  وعناصره متعب للغاية خاصة في زمن الحروب كمن يحاول إدخال جمل برأس الإبرة ، فهو عملياً متشعّب ولا يتوقف عند النظريات . ومن خلال نزاعات مسلّحة في بقع مضطربة من العالم، وتبعاً لدرجة حدّتها، أعتقد بأن مسار السلام،  في المطلق،  ولا أقول الصيغة السلمية المرحلية ، قد يكون طويلاً وشاقأً  ويتطلّب- عدا تأكيد الحقوق المشروعة لبلد ما – بناء الثقة واختبار المراحل نظراً لكثرة المخاوف وسقوط القتلى والضحايا لدى الأطراف المعنية  وحدوث الدمار وانفلاش تداعياته وضرورة تصوّرآلية للتغلّب ما أمكن  على الاحزان والمآسي  ومشاعر الكراهية من تحت كي يسلم الإتفاق من فوق. وبالتالي يبدو لي من خلال التجارب المؤلمة بأن “السلام” على أنواع ، فهناك برأيي السلام المصنّع أو المصطنع  والسلام المثلّج والسلام البارد أو المبرّد والسلام الساخن والسلام الدافئ والمطمئن ، وسلام النفوس ، وكلّها مرهونة  بعوامل عدّة.  

٤- الحكم الرشيد والرؤيوي والعادل في لبنان ليس مستحيلاً، فقد حكمه فؤاد شهاب بتفوّق، ولا أحد تعدّى حتى الآن قدراته في قبره، دون أن يعني ذلك تجاهل إنجازات آخرين، موضع احترام.  ومن مقتضياته  الحفاظ على الميثاق الوطني وأسمى معانيه ومقاصده والكفّ عن الرهانات الخاطئة والمزايدات الإنتحارية ،والشروع بالتفكير في تكاليف الخسائر وإعادة الإعمار ولاسيما التمويل ، فيما إهتمامات المموّلين  (المتعبين) منصبّة  أصلاً على أماكن أخرى منافسة للبنان، فإعمار غزة يقدّر بنحو 71 مليار دولار وتكلفة إعادة إعمار سوريا تراوح ما بين 600 و900 مليار دولار وفقاً لتصريح رئيسها، والحرب الدائرة في المنطقة استنزفت بلدانها. في هذا الخصوص ، يجدر التوقّف عند تعليق أحد النواب الفرنسيين لدى مناقشة مشروع موازنة فرنسا للعام الجاري في غمرة الإنقسام حول معالجة العجز المالي الفرنسي إذ قال:” مَن لا يتقن العدّ لن يعتدّ به”.

ه –  وأخيرا وليس آخراً، ضرورة التمسّك بالقواعد التأسيسية المنبثقة عن “بيان الاستقلال” وأهمها النأي بلبنان عن المحاور التي” تجعل من الوطن الواحد أوطاناً متعدّدة”، وأن “تسعى الحكومة بأن تربّي النشء تربية وطنية صحيحة ….. فنحن ،كما قال الرئيس رياض الصلح ، نريد أن نُخْرِج نشأً واحداً موحّد الهدف والشعور والوطنية”.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *