مسؤولية المراسل الميداني في صناعة المشهد… بين نقل الواقع وجرمية حرق الأعصاب!
الوظيفة الإعلامية للمراسل الحربي في ميادين اللحظات الساخنة تنحصر في إتقان فنّية االتغطية النقلية المباشرة، حيث يجب أن يكون وسيطاً أميناً لعيون الناس وآذانهم، ينقل لهم ما يرى ويسمع وما توصّل إليه من معلومات خاصة وحصرية، تشكل سبقاً مهنياً له صدقيته موثوقيته الخبرية، من دون أن يتجاوز ذلك إلى تنصيب نفسه قيِّماً على الحدث وما قبله وما بعده، توصيفاً وتحليلاً افتراضياً، يزيد من القلق ويؤجّج جرمية حرق الأعصاب عندما يسيء استخدام سلطة الكاميرا والميكروفون.
إن التمايز المهني، بالتخصص والتخصيص والحصرية وتراكم الخبرة، يوفر للإعلامي الميداني مكانة موصوفة في خلال النزاعات والحروب، من حيث إنه يشكل جزءاً من عسكر الساحة إن كان مراسلاً حربياً، أو يكون ممثلاً للعدالة الميدانية في حيادية التغطية وتظهير الحقائق ومتابعة مراحل الأحداث وتطورها متى كان مراسلاً أو مندوباً لوسيلة إعلامية. من هذا التفريق بين الإعلامي المرافق للجيش والإعلامي المراسل، يمكن مقاربة موضوعية ومعايير ومواصفات المراسل الحربي وتقنيات التعبير الواجب اعتمادها في خلال بث رسالته الميدانية المباشرة آخذاً في الاعتبار موجبات الأخلاق الإعلامية وكرامة الضحايا ومشاعر الناس.
بين الإعلامي المرافق للجيش، الذي يشكل جزءاً من كتائبه كعنصر مدمجٍ بالعسكر، والمراسل الميداني الخاص للوسائل والوكالات الإعلامية المحلية والأجنبية، العلامة الفارقة بين المراسل المحترف الذي يوظف خبراته للناس والمراسل المبتدئ والتجريبي الذي يختبر بالناس، فيسيء التفنّن باختراع المصطلحات وتسخير اللفظيات للإيحاء بأنه يجمع بين دور المراسل الناقل للتغطية ودور المحرّر المحلِّل والمتنبّئ، وكأنه كاشف الحقائق والقابض على الحدث وما قبله من مسبّبات وما بعده من تداعيات.
فالتراسل الميداني هو فن إخباري لحظي ساخن وخطر يتطلب حرفية مهنية وخبرات تراكمية يكتسبها المراسل بالتخصص العلمي والممارسة الإعلامية المباشرة والواسعة في عملية رصد مفاصل الأحداث والتدقيق بها والتحقق من واقعية حدوثها، قبل بثها المباشر على الهواء، وإلّا تحول من عملية تغطية ميدانية إلى عملية استهداف للجمهور أو نحراً للأعصاب وقتلاً للمعنويات بسبب قلة الاحترافية، ما يفاقم حالات التوتر والتشويش والتضليل ويجعل الناس ضحايا الإعلام التجريبي الذي يختبر بالناس بدل أن يقدّم لهم الخبرة وإضاءات على الأحداث.
ففي وقت الذروة وزمن تسارع الأحداث المتوالية والطارئة، تبرز بوضوح مسؤولية المراسل الميداني في قدرته على نقل المشاهدين إلى ساحة الحدث أو نقل الحدث إلى الجمهور، نظراً وسمعاً وتفاعلاً شعورياً، من دون أي إسقاطات وتأثيرات من المراسل المدجّج والموحي بانفعاليته وإمعانه في التحليل والتوقع والاسترسال في الإمساك بالمذياع وتجاوزه المقلق للمدى الزمني الذي يمكن للمستمع المتابع للحدث أن ينصت إليه بتركيز واهتمام، والذي لا يتعدى الدقائق الخمس كحد أطول، بأنه ناقل للخطر أكثر منه ناقلاً للخبر.
إن مسؤولية تقديم تغطية ميدانية مباشرة في اللحظات الخبرية الساخنة، تقع بالمباشر على المؤسسة الإعلامية التي تعتمد مراسلاً خاصاً بها أو تستعين بمبعوث موفد منها لمهمة محددة أو يتبع لوكالة إعلامية.
ومسؤولية المؤسسة لا تخفف من مسؤولية المراسل الميداني التابع لها أو تعتمده ظرفياً. فأي خطأ يرتكبه المراسل في الاسترسال والإسهاب والتنبؤ والإكثار من استخدام المصطلحات والتعابير الخاصة بالحدث، تعرّضه هو والمؤسسة لنفور واسع من قبل المشاهدين، الذين يطلقون عليه أحكامهم بفورة عصبية تنال من صدقيته وتعرّض موقعه للانتقاد، وتجعله أشبه بخبير المتفجرات الذي يخطئ مرة واحدة فقط.
فالتجاوزات المهنية، نقلاً وتغطية وإسهاباً في التحليلات التي يقترفها بعض المراسلين الميدانيين، في تحوّلهم من ناقلين للحدث إلى معلقين عليه ومحلليلن استراتيجيين ومذيعي نشرة، تظهر خطورتها أكثر عند استصراحهم (لشاهد عيان) والاعتماد على أقواله ومسموعاته ومشاهداته ورواياته، وكأنها حقائق مصدرية مؤكدة، بمعزل عما إن كان الشاهد العيان المستعان به لإغناء مضمون المشهد، شاهداً بالصدفة أو شاهِداً مأجوراً أو شاهداً للإدلاء بأقوال غب الطلب، تم إخراجها وفق سيناريو معيّن.
في زمن الحرب على لبنان يبرز الدور التأثيري لوسائل الإعلام في إعداد المراسلين الميدانيين وتأهيلهم لأن يكونوا أمناء على نقل مشهديات الميدان إلى المشاهد، واحترافية نقل المشاهد إلى أرض الواقع ليكون شريكاً في المشاهدة والتفاعل مع الأحداث وتمكينه من القدرة على إعمال عقله بفهم الأحداث وتحليلها وفق منطقه الخاص، لكون المشاهد شريكاً في عملية التفاعل الإعلامي وليس ضحية للمراسل غير الكفوء بأن يكون أميناً على النقل بحيادية وموضوعية ذات صدقية عالية.
جورج كلّاس
وزير سابق
