“أسود الرافدين”… ملحمة مونتيري على حافة الخلود
بغداد – النهار
أربعة عقود كاملة من الانتظار، أربعون عاماً من الصبر، وأحلام أمّة كاملة معلّقة على 90 دقيقة.
العراق، هذا الفريق الذي ولد من رحم الأزمات، عاد ليقف على حافة التاريخ مرة أخرى. الملعب في مونتيري المكسيكية ليس مجرد أرض عشبية، بل ساحة امتحان لأرواح “أسود الرافدين”، لكلّ لاعب يحمل بين قدميه حلم 45 مليون عراقي عاشوا كرة القدم كهواء يتنفّسونه.
غراهام أرنولد، الرجل الأسترالي الذي شعر بثقل المهمة منذ اللحظة الأولى، لم يبالغ حين قال: “قبل أن أتولى المهمة، قيل لي إنها قد تكون أصعب وظيفة في العالم. العراق لم يتأهّل منذ 40 عاماً… وكلّ شيء هنا يتنفس كرة القدم”.
المنتخب العراقي بلاعبيه وأجهزته يعرفون أنه لا مجال للخطأ، وأن كل لحظة من فقدان التركيز قد تتحول إلى مأساة. الضغط سيكون رهيباً، ليس من المنافس فحسب، بل من التاريخ نفسه، من الجماهير، من شوارع بغداد، من كل مدينة عراقية تحلم بالوصول إلى المونديال للمرة الثانية بعد الأولى في المكسيك 1986.
بوليفيا، الخصم الأخير، ليس منافساً عادياً. فريق مستعدّ، متماسك، ومعنوياته في أعلى مستوياتها بعد تجاوز سورينام 2-1، ويسعى ليس للعب، بل لإثبات وجوده والظهور الثاني أيضاً بعد الولايات المتحدة 1994. الفريق الجنوبي يعتمد على القوة البدنية والتحولات السريعة، وعلى الكرات الطويلة التي قد تقلب موازين المباراة في لحظة خاطفة. وفق ما قال مدربهم أوسكار فيليغاس: “العراق يلعب بشكل ممتاز، لكننا مستعدون لاستغلال أيّ فرصة، ونثق بقدرتنا على قلب الأمور”.

الفائز في هذه المباراة الوحيدة سيحجز البطاقة الأخيرة ضمن المجموعة التاسعة، إلى جانب فرنسا والنروج والسنغال.
يرى المدرب العراقي عادل نعمة في حديث لـ”النهار” أن المنتخب العراقي ينتظر هذه اللحظة منذ زمن بعيد، وبالتأكيد هي فرصة تاريخية. وأضاف “اللقاء سيكون ضاغطاً نفسياً على لاعبي المنتخب، وينبغي الاعتماد على اللاعبين الأكثر جاهزية، لأن المباراة لا تحتمل أي مجازفة، والأمر الإيجابي أن المنتخب البوليفي لعب قبلنا، وكانت فرصة للمدرب أرنولد للاطلاع على أدائه وتكوين فكرة شاملة عن طريقة لعبه وجوانب القوة والضعف لديه”.
يُعرف عن المنتخب العراقي قتال لاعبيه العالي، حيث يؤدي بأسلوب الضغط العالي المستمر مع تنظيم تكتيكي صارم، فضلاً عن السرعة في المرتدات وقدرته على استغلال الفراغات خلف الأطراف بما يمكن أن يحدث فرقاً.
وسيفتقد آرنولد إلى الحارس جلال حسن بسبب الإصابة. ومن المتوقع أن يكون بديله فهد طالب. ويعول المدرب الأسترالي على خبرة المحترفين ريبين سولاقا ومرشاس دوسكي، والمدافع أمير العماري صاحب هدف الفوز في مرمى الإمارات في نهائي الملحق الآسيوي، ولاعب أوتريخت الهولندي زيدان إقبال، ولاعب فينيتسيا الإيطالي ماركو فرجي إلى ثلاثي الهجوم أيمن حسين ومهند علي وعلي الحمادي.
أما المنتخب البوليفي، فإنه يلعب بالأسلوب المباشر عبر الكرات طويلة والتحولات السريعة مع قدرة على كسر الهجمات المنظمة.
ويتميز المنتخب بتشكيلة جيدة، حيث يعول المدرب فيليغاس على مدافع الطائي السعودي لويس هاكين ولاعبي الوداد المغربي راميرو باكا ومويزيس بانياغا.
ترقب كبير يسود في شوارع بغداد وبقية المدن، برغم الأجواء المحيطة المتعلقة بالحرب. لكن أخبار المنتخب تتصدر، ولا سيما في أعقاب الرحلة الشاقة نحو المكسيك في ظل إغلاق الأجواء العراقية. بالنسبة إلى العراقيين إنها دراما مكتوبة بالعرق والتعب والخوف والأمل؛ فالمنتخب أمام اختبار لا يقبل الأخطاء، وبوليفيا أمام فرصة لإعادة كتابة تاريخها.
ويضيف نعمة لـ”النهار”: “المنتخب البوليفي من المنتخبات اللاتينية الجيدة، ويعتمد على البناء من الخلف، ويلعبون في أنصاف المساحات مع حرية الظهيرين بالصعود؛ ولضربه فإن السرعة عبر الأطراف هي السلاح الأهم للمنتخب العراقي”.
لن يحكم هذه المباراة سوى من يعرف كيف يحوّل كل دقيقة إلى فرصة، وكل هجمة إلى تاريخ. العراق يدخلها برغبة ملتهبة، بوليفيا بثقة صاعدة، وكل منهما ينتظر أن يكتب تاريخه في مونتيري.
