شح السيولة والمنافسة غير الموضوعية يدفعان مقاولي غزة لتنفيذ مشاريع بسعر التكلفة
كتب حامد جاد:
أفضت تعقيدات بيئة العمل في قطاعي المقاولات والإنشاءات في محافظات غزة إلى اضطرار العديد من شركات المقاولات ومالكي المصانع الإنشائية للقبول، قسراً، بتنفيذ مشاريع بقيم تكاد تكون أقل من سعر التكلفة لكي تحافظ تلك الشركات على استمرارية عملها وتواجدها في سوق المقاولات.
وشكّل شح السيولة النقدية والمنافسة غير الموضوعية التي باتت أشبه بمضاربة في الأسعار بين شركات المقاولات، إضافة إلى معضلة تأخر صرف المستخلصات، والفروق الكبيرة في أسعار مواد البناء نظراً لبيعها بالآجل وليس نقداً، أبرز الأسباب التي أدت إلى إفلاس وانسحاب العديد من شركات المقاولات من سوق العمل.
أزمة فروق الأسعار
وبيّن مصدر ذو صلة بتجارة الإسمنت الواردة عبر المعابر، أن طن الإسمنت المصري الذي يتم بيعه في سوق قطاع غزة بما يتراوح بين 490 و495 شيكلاً، تبلغ تكلفة الطن الواحد منه في بلد المنشأ “مصر” 123 دولاراً ما يعني نحو 450 شيكلاً يضاف إليها 70 شيكلاً ضريبة عند معبر رفح ليصبح بذلك السعر الإجمالي 520 شيكلاً.
وقال المصدر ذاته، “إن إغراق سوق قطاع غزة بكميات كبيرة من الإسمنت المصري جاء كنتيجة طبيعية لعدم ضبط احتياجات القطاع من الإسمنت إضافة إلى الأسباب المتعلقة بفارق سعر الإسمنت في حال تمت عملية دفع قيمته من داخل مصر ومن ثم تسويقه في غزة لتجار الجملة بسعر أقل نظراً لحاجة المستورد الرئيسي للسيولة النقدية، أدت هذه الأسباب مجتمعة إلى الفارق الملحوظ في أسعار السلعة الواحدة”.
ونوه إلى أن عمليات الشراء التي تتم من داخل مصر لصالح شركات وجهات مستوردة تتم بفارق في القيمة يصل إلى 2% وأحياناً إلى 3% ما شكّل السبب الأساس في تذبذب الأسعار إضافة إلى الأسباب المتعلقة بعدم ضبط احتياجات القطاع من الإسمنت.
ولفت إلى أن ما تم استيراده من الإسمنت المصري في شهر آذار الماضي بلغ 47 ألف طن وفي الشهر الذي تلاه “نيسان” بلغ 20 ألف طن والشهر الماضي “أيار” قدر بأكثر من 50 ألف طن بينما في المقابل متوسط ما يتم استيراده من الإسمنت عبر معبر كرم أبو سالم بات يقدر شهرياً بعشرة آلاف طن ويبلغ سعره في السوق المحلية 540 شيكلاً للطن.
تباين تسعير مقاولات البناء
وأشار المصدر ذاته إلى أن قيمة تنفيذ العمارة الواحدة في مشاريع المدن المصرية بحسب ما تم التوافق عليه مع شركات المقاولات، بلغت في بداية الأمر نحو 330 ألف دولار كأجرة تنفيذ لبناء العمارة الواحدة المؤلفة من 20 شقة.
وذكر أن إحدى شركات المقاولات المحلية عرضت نظير تنفيذ العمارة الواحدة مبلغ 264 ألف دولار ما دفع بغالبية شركات المقاولات إلى الاضطرار قسراً للقبول بالقيمة الجديدة رغم أنها اقل من التكلفة، منوهاً إلى أن عدداً محدوداً من شركات المقاولات انسحبت اثر ذلك.
وتساءل المصدر عن دور اتحاد المقاولين في حماية أعضائه والتوافق على تسعيرة محددة، إضافة إلى الدور المناط بالاتحاد والجهات ذات العلاقة في الرقابة على هذه المشاريع التي يتم التعاقد عليها بخسارة.
من جهته، أوضح رئيس اتحاد المقاولين علاء الدين الأعرج، أنه تم الاتفاق مؤخراً على اعتماد مبلغ 300 ألف دولار كحد أدنى لتسعيرة تنفيذ العمارة، لافتاً أنه قبل ذلك جرى اعتماد مبلغ 111 ألف دولار لتنفيذ أعمال المرحلة الأولى للعمارة المتعارف عليها بأعمال مرحلة الإحلال التي تشكل نحو 33% من إجمالي قيمة تنفيذ عملية البناء.
وبيّن الأعرج أن مشاريع المدن المصرية استغرق تنفيذها أكثر من الفترة المفترضة التي تتراوح بين ثمانية وعشرة أشهر حيث وصلت حتى الآن لأكثر من 14 شهراً ولم تنته الأعمال بعد لكي يتم البدء بأعمال التشطيب، منوهاً إلى أن فترة التأخير كانت نتيجة الأزمة المترتبة على الحرب الروسية الأوكرانية حيث شهدت تلك الفترة نقصاً في توريد مواد البناء.
وأوضح أن 14 شركة تعمل على تنفيذ مشاريع المدن المصرية، وأن العمارة الواحدة مكونة من عشرين شقة وإجمالي عدد العمارات في المدن الثلاث 117 عمارة منها 50 عمارة لم يبدأ العمل بها حتى الآن.
سبل ضبط الأسعار
وبالنسبة لتذبذب أسعار الإسمنت قال الأعرج، “المعمول به أن أسعار الإسمنت المصري الوارد عبر معبر رفح تخضع للعرض والطلب وليس هناك دور للاتحاد في هذا الأمر، ومن المفترض أن تخضع عملية ضبط الأسعار والكميات للجهات ذات العلاقة في غزة” في إشارة منه إلى مالية واقتصاد غزة.
وأضاف، نأمل في ظل ترتيب آلية إدخال المواد كافة بأن يكون للقطاع الخاص دور في التشبيك وضبط السوق حيث إن ارتفاع الأسعار والنقص في الإمدادات يعودان بالضرر على المقاولين.
واعتبر أمين سر اتحاد الصناعات الإنشائية محمد العصار، أن شح السيولة النقدية وعدم قدرة المقاول على التغطية المالية للعمال، والتأخير في وصول مواد البناء إضافة لتأخر صرف المخالصات المالية، حيث يتم هذا الأمر في القاهرة نظراً لعدم وجود مقر للجنة المصرية في غزة، تعد المعضلة الأكبر التي تواجه المقاول في تنفيذ مشاريع المدن المصرية.
وتابع، تذبذب أسعار الإسمنت يرجع بالدرجة الأولى إلى شح السيولة النقدية حيث يباع طن الإسمنت المصري في بعض الأحيان بأكثر من 540 شيكلاً عندما تكون عملية الدفع بالآجل وليس نقداً، وبالتالي هذه العوامل مجتمعة دفعت بالمقاولين للقبول بأسعار أقل من التكلفة لترحيل أزماتهم المالية.
وفي السياق، أشار مسؤول وزارة الأشغال العامة والإسكان في غزة جواد الآغا، إلى أن مشاريع المدن المصرية تضم ثلاث مدن سكنية تحمل اسم “دار مصر”، وأن تنفيذها يحتاج وقتاً أطول في الإنشاء، وأن نسبة الإنجاز فيها تجاوزت الـ50٪، ومرحلة الإنشاءات والهيكل الخرساني انتهت تقريباً في معظم البنايات، وبدأت عملية التشطيب بمراحلها المختلفة”.
ولفت إلى بدء عمليات الإنشاء في 68 عمارة داخل المدن الثلاث، وانتهاء أعمال الخرسانة في معظمها، وأن كل عمارة سكنية في المدن المصرية الثلاث تتكون من خمسة طوابق، يحتوى كل منها على 4 شقق سكنية، أي أن إجمالي عدد الوحدات السكنية يصل إلى 1360.
