العلوم والتكنولوجيا

واشنطن وتل أبيب: من يجر الآخر… إلى ماذا؟ , يُجيد نتنياهو التعامل مع تعدد مراكز القوة الأميركية. خطابه أمام الكونغرس في عام 2015 ضد الاتفاق النووي، بدعوة جمهورية، كان محاولة لاستخدام مؤسسة أميركية ضد سياسة

0 0
Read Time:4 Minute, 6 Second

خرج بنيامين نتنياهو من انتخابات 27 تشرين الأول/أكتوبر أضعف مما كان عليه في 2022، لكنه بقي متقدماً على منافسيه: 27 مقعداً لليكود بدلاً من 32، و53 لمعسكره، من دون عتبة أكثرية 61 مقعداً. يستطيع تعطيل البدائل أكثر مما يستطيع تأليف حكومة. وفي واشنطن، ينتظر دونالد ترامب اقتراع 3 تشرين الثاني/نوفمبر واحتمال خسارة مجلس النواب، فيما تبقى معركة الشيوخ مفتوحة. رئيسان تضيق بهما السياسة الداخلية؛ وقد يصبح الشرق الأوسط المساحة التي يحاولان توسيعها بالنار.

من الآن حتى آذار/مارس المقبل، وهو موعد محتمل لانتخابات إسرائيلية جديدة وليس استحقاقاً محسوماً بعد، يتجاوز السؤال أيّ الرجلين يحتاج إلى الآخر، فالمسألة هي مَن يستطيع تحميل شريكه كلفة خياراته. أميركا تملك التفوق العسكري والتمويل والإمداد والغطاء الديبلوماسي، وإسرائيل تملك قدرة المبادرة الميدانية، وعلاقات داخل النظام الأميركي تجعل كبحها مكلفاً سياسياً. القوة موزعة بصورة غير متكافئة، لكن امتلاكها لا يضمن استخدامها. لذلك، تبقى واشنطن أقدر على حسم اتجاه الحرب، فيما تستطيع تل أبيب تعقيد الطريق إلى وقفها.

لمن يذكر، توضح تجربة المقاتلة “لافي” هذه الحدود. ففي عام 1980، أطلقت إسرائيل مشروع “لافي” لبناء مقاتلة محلية متعددة المهام، فموّلته واشنطن بنحو 1.3 مليار دولار من أصل 1.5 مليار أُنفقت على تطويره حتى 1986. وبعدما حلق أول نموذج للمقاتلة في 31 كانون الأول/ديسمبر 1986، ضغطت واشنطن لإلغاء المشروع برمته، خشية من منافسة “لافي” المقاتلات الأميركية في أسواق التصدير، ولم تستطع إسرائيل الاعتراض. وفي قضية الجاسوس جوناثان بولارد، رفضت إدارة بيل كلينتون مطالب إسرائيلية بالإفراج عنه ولو في يوم واحد قبل إتمامه محكوميته، بينها طلب نتنياهو في مفاوضات واي ريفر في عام 1998. تكشف الواقعتان قدرة واشنطن على إنفاذ حدودها. غير أن إلغاء مشروع ورفض إطلاق جاسوس أسهل من ضبط حرب بدأت، وأصبحت حماية الحليف عنواناً لاستمرارها.

في المقابل، يُجيد نتنياهو التعامل مع تعدد مراكز القوة الأميركية. خطابه أمام الكونغرس في عام 2015 ضد الاتفاق النووي، بدعوة جمهورية، كان محاولة لاستخدام مؤسسة أميركية ضد سياسة مؤسسة أخرى. مضى أوباما في الاتفاق، ثم انسحب منه ترامب في عام 2018. لذلك، يُختزل النفوذ الإسرائيلي خطأً في صورة رئيس أميركي يتلقى الأوامر، فهو يعمل عبر مصالح متقاطعة وتحالفات حزبية، ويكسب حين يجد مشروعاً أميركياً يلتقي معه.

الأخطر هو التأثير في الخيارات المتاحة قبل اتخاذ القرار. تستطيع ضربة إسرائيلية أن تستدعي رداً يهدد القوات الأميركية أو الملاحة الدولية، فيجد الرئيس نفسه أمام أزمة تغيرت كلفة البقاء خارجها. عندئذٍ تصبح حماية الجنود والحلفاء مبرراً للتدخل. هذه آلية محتملة لجرّ واشنطن، لكنها لا تعفيها من المسؤولية: الرئيس الذي يختار المشاركة يملك قراره، حتى عندما يكون حليفه قد ضيّق البدائل أمامه.

يُجيد نتنياهو التعامل مع تعدد مراكز القوة الأميركية. خطابه أمام الكونغرس في عام 2015 ضد الاتفاق النووي، بدعوة جمهورية، كان محاولة لاستخدام مؤسسة أميركية ضد سياسة مؤسسة أخرى

والوقائع الراهنة تمنع تصوير ترامب حمامةً يطاردها صقر إسرائيلي. عشية الانتخابات الإسرائيلية، دعا إلى انتخاب نتنياهو و”إنجاز المهمة” التي بدأها الاثنان ضد إيران. وفي الوقت نفسه، أكد البيت الأبيض أنه لن يهاجم إيران قبل الانتخابات النصفية. ما يبرز هنا هو حساب التوقيت، فالالتزام بعدم الهجوم قبل الاقتراع لا يستبعد الهجوم بعده.

خسارة الجمهوريين مجلساً أو مجلسين ستزيد التحقيقات والمساومات على الإنفاق وتعطيل التشريع، لكنها لا تسحب من ترامب صلاحياته التنفيذية الواسعة. كما أن ولاية الكونغرس الجديد تبدأ في كانون الثاني/يناير، فتظل بين الاقتراع وانتقال السلطة التشريعية نافذة قد تغري بفرض وقائع مختلفة. في المقابل، يستطيع الرئيس استخدام المعارضة الجديدة حجةً أمام نتنياهو: للدعم حدود داخلية. أما الافتراض أن أغلبية ديموقراطية ستنتج تلقائياً سياسة سلام، فيخلط معارضة ترامب بمعارضة إسرائيل.

ولنتنياهو حساب مزدوج أيضاً. قد تساعده مواجهة خارجية في الضغط على خصومه للانضمام إلى حكومة وحدة، لكنها قد تضاعف الاعتراض على قيادته. وقد تمنحه تهدئة بضمانة أميركية وقتاً لإعادة ترتيب ائتلافه. ثم إن منافسيه لم يقدموا جميعاً بديلاً استراتيجياً واضحاً للحروب القائمة؛ فتبديل رئيس الحكومة، أو اضطراره إلى تقاسمها، لا يساوي تبديل العقيدة الأمنية الإسرائيلية.

لدى واشنطن حافز أقوى لفرض تهدئة تقنية حتى آذار: تخفيف ضغط الطاقة، وحماية القوات والتجارة، وتسويق إنجاز خارجي وسط المشكلات الداخلية. وتداول مسودة اتفاق عبر الوساطة القطرية، كما أفادت رويترز في 2 تشرين الثاني، يدلّ على وجود مسار تفاوضي، لا على نجاحه. 

لكن هذا الترجيح يسقط إذا رأى ترامب في ضربة جديدة نصراً سريعاً يعوّض خسارته السياسية، أو إذا فجّر رد إيراني حسابات الطرفين. لطهران ودول الخليج وأوروبا مصالح وقدرة تأثير؛ المنطقة ليست مسرحاً خالياً إلا من رجلين.

المعيار العملي هو ما إذا كانت واشنطن ستربط السلاح والمساندة السياسية بالتزام إسرائيلي محدد، وتقبل كلفة تطبيقه. إن فعلت، تستطيع دفع إسرائيل إلى التهدئة. وإن اكتفت بطلب ضبط النفس مع ضمان استمرار الدعم، فإنها تترك لنتنياهو هامش تحديد الإيقاع. وعندئذٍ تصبح عبارة “إسرائيل جرّت أميركا” وصفاً ناقصاً، إذ قد تكون واشنطن قد وافقت على السير ثم اختلفت على سرعة الخطى.

أما لبنان والفلسطينيون، فلا تكفيهم معرفة مَن يمسك بالمقود. فقد تنتهي المساومة إلى وقف نار يترك الاحتلال والتهجير بلا حل، ويمنح الطرفين استراحة سياسية. يمكن واشنطن أن تكون الأقوى، ونتنياهو أن يبقى المستفيد، والمنطقة أن تدفع الثمن. المسألة الحاسمة هي الشروط التي ستُفرض لإنهاء الحرب، ومَن سيُجبر فعلاً على احترامها.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *