العلوم والتكنولوجيا

أموال الذكاء الاصطناعي تتدفّق على الكونغرس… من يتحكم بقواعد اللعبة؟

0 0
Read Time:3 Minute, 54 Second

دخلت شركات التكنولوجيا ومستثمرو الذكاء الاصطناعي بقوة إلى انتخابات الكونغرس الأميركي، عبر لجان سياسية أنفقت أكثر من 72 مليون دولار لدعم مرشحين أو معارضتهم. ويكشف تدفق الأموال إلى السباقات الانتخابية عن تنافس بين مجموعات تدعو إلى توحيد القواعد التنظيمية والحد من القيود المفروضة على الشركات، وأخرى تطالب بضمانات أشد للسلامة والشفافية.

وقبيل انطلاق الانتخابات النصفية الأميركية، الثلاثاء 3 تشرين الثاني/نوفمبر، تتجاوز أهمية هذا الإنفاق المنافسة على المقاعد إلى تحديد تركيبة الكونغرس المقبل، الذي ستقع على عاتقه مهمة حسم ملفات تشريعية تتعلق بتنظيم نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، ومسؤولية الشركات المطورة، وصلاحيات الولايات في سن قواعد مستقلة.

ووفقاً لبيانات متعقب التمويل التابع لموقع “ترانسفورمر”، المتخصص في شؤون الذكاء الاصطناعي، والمحدثة في 2 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، بلغ الإنفاق الانتخابي 72.29 مليون دولار، منها 44.39 مليوناً لمجموعات يصنفها الموقع مؤيدةً للسلامة، مقابل 27.90 مليوناً لمجموعات يصنفها مؤيدةً للابتكار.

ملايين الدولارات تتدفق إلى الانتخابات

 

تصدّرت الدائرة الثانية عشرة في نيويورك ساحات المواجهة، بعدما شهدت إنفاق نحو 29.49 مليون دولار خلال الانتخابات التمهيدية للحزب الديموقراطي. وتركزت المنافسة حول عضو مجلس نواب ولاية نيويورك أليكس بوريس، أحد المشاركين في إعداد قانون “رايز”، الذي يفرض متطلبات للشفافية والسلامة على مطوري نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة.

وأنفقت مجموعات مؤيدة لتشديد الضوابط نحو 21.33 مليون دولار لدعمه، مقابل 8.17 ملايين دولار أنفقتها لجان سعت إلى هزيمته. لكن بوريس خسر الانتخابات أمام مايكا لاشر، الذي شارك بدوره في رعاية التشريع نفسه، ما لا يسمح بتفسير النتيجة باعتبارها رفضاً انتخابياً لتنظيم الذكاء الاصطناعي.

وتقف خلف هذه المواجهة شبكات تمويل تضم مستثمرين ومسؤولين في شركات التكنولوجيا، من أبرزها “ليدينغ ذا فيوتشر”، المدعومة من شخصيات مرتبطة بقطاع الذكاء الاصطناعي، والتي تدعو إلى إطار اتحادي موحد يحدّ من تفاوت القوانين بين الولايات.

في المقابل، أعلنت شركة “أنثروبيك”، المطورة لنموذج “كلود”، تقديم 40 مليون دولار لمنظمة “بابليك فيرست أكشن” خلال شباط/فبراير وتموز/يوليو 2026، لدعم التوعية بسياسات الذكاء الاصطناعي وتعزيز ضمانات السلامة. وأكدت الشركة أن هذه التبرعات لا يجوز استخدامها للتأثير المباشر في انتخاب المرشحين، ولذلك لا ينبغي احتسابها تلقائياً ضمن الإنفاق الانتخابي.

وامتدت المواجهة إلى الحملات الإعلانية، إذ كشف تقرير لموقع “أكسيوس” عن حملة بقيمة 4 ملايين دولار تستهدف نواباً جمهوريين في أربع دوائر، بسبب تأييدهم سابقاً تقييد صلاحيات الولايات في تنظيم الذكاء الاصطناعي.

 

سام ألتمان خلال جلسة بمجلس الشيوخ الأميركي، 16 أيار/مايو 2023 (أ ف ب).

سام ألتمان خلال جلسة بمجلس الشيوخ الأميركي، 16 أيار/مايو 2023 (أ ف ب).

 

 

كيف تُخفى مصالح الممولين؟

 

وفي تصريحات خاصة لـ”النهار”، يلفت مدير الاتصالات في منظمة “إند سيتيزنز يونايتد”، باوادن سيد، إلى فجوة بين المصالح التي تحرك الإنفاق السياسي لصناعة الذكاء الاصطناعي والرسائل التي يتلقاها الناخبون. ويقول إن الإعلانات الممولة من هذه الجهات “تكاد لا تذكر الذكاء الاصطناعي أو السياسات التي يهتم بها ممولوها”، بل تركز على قضايا سياسية أوسع تستقطب الناخبين.

ويعتبر سيد أن الصناعة تتعمد إخفاء دورها في الحملات عبر إعلانات لا تتناول قضايا الذكاء الاصطناعي، واصفاً هذا الأسلوب بأنه “شديد التضليل، لكنه فعال”.

ويحذر أيضاً من صعوبة تتبع المصادر الأصلية لبعض الأموال الانتخابية، داعياً إلى تعزيز متطلبات الإفصاح عن المانحين. ويشير في هذا السياق إلى تأييد منظمته مشروع قانون “ديسكلوز”، الرامي إلى تعزيز شفافية التمويل السياسي.

 

 

مشهد من قاعة مجلس النواب الأميركي في واشنطن خلال انعقاد جلسة

مشهد من قاعة مجلس النواب الأميركي في واشنطن خلال انعقاد جلسة

 

الكونغرس أم شركات التكنولوجيا؟

 

يرى مدير برنامج الابتكار والقانون في الذكاء الاصطناعي بكلية الحقوق في جامعة تكساس، كيفن فرايزر، في حديث خاص لـ”النهار”، أن على الكونغرس وضع قواعد لاختبار النماذج المتقدمة قبل نشرها، والإبلاغ عن الحوادث، وإخضاعها لرقابة مستقلة من أطراف ثالثة.

ويشير إلى أن الولايات قدمت نماذج تنظيمية مفيدة، لكن تعارض قوانينها قد يعرقل الامتثال لها ويقلل فائدة المعلومات الناتجة عنها. ويعتبر أن إقرار إطار وطني ملزم من الكونغرس سيمثل تقدماً ملحوظاً مقارنة بالأطر الطوعية التي وضعها البيت الأبيض.

ويؤكد فرايزر أن سيادة القانون تقتضي إقرار القوانين رسمياً، وإعلانها للعموم، وتطبيقها بصورة متسقة، معتبراً أن كثيراً من الجهود التنظيمية الحالية للبيت الأبيض لا تستوفي هذه المتطلبات الأساسية.

غير أنه لا يدعو إلى إلغاء صلاحيات الولايات بالكامل، بل إلى تحديد نطاق أولوية القانون الاتحادي بعناية، بما يحفظ سلطاتها التقليدية، ومنها تطبيق قوانين حماية المستهلك.

ويلفت فرايزر إلى مشكلة أعمق تتمثل في اختلال ميزان المعرفة بين الشركات والجهات التنظيمية، قائلاً إن الشركات المطورة للنماذج المتقدمة تتمتع “بما يقارب الاحتكار للمعرفة اللازمة لحوكمة الذكاء الاصطناعي على أساس الأدلة”.

ويضيف أنه في غياب مزيد من الشفافية ومصادر الخبرة المستقلة، يجد المنظمون أنفسهم عملياً خاضعين لتوجيه المختبرات نفسها، فيركزون على الأسئلة التي تطرحها، ويستخدمون المصطلحات التي تحددها، ويتبنون الأولويات التي تؤيدها. ويصف ذلك بأنه “قدر هائل للغاية من السلطة تمارسه جهات خاصة”.

وهكذا، يتجاوز التنافس على مستقبل الذكاء الاصطناعي تمويل المرشحين إلى التأثير في القواعد والأولويات التي يستند إليها المشرعون. ورغم أن سجلات الإنفاق لا تثبت وحدها أن الأموال حسمت نتائج الانتخابات أو غيّرت مواقف النواب، فإنها تكشف حجم المصالح المتنافسة على تشكيل الكونغرس المقبل، الذي سيتولى صياغة القواعد المنظمة لإحدى أكثر الصناعات تأثيراً في الاقتصاد والمجتمع.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *