فوائد الديون تفرغ خزائن مصر وتلتهم 96 % من إيرادات أول شهرين بالموازنة
كشف التقرير الشهري الصادر عن وزارة المالية المصرية بالأرقام عن وضع اقتصادي صادم، له تداعياته على حياة نحو 110 ملايين مصري يقيمون في الداخل، وعلى الاقتصاد الثاني أفريقيا والثالث عربيا، مما يفاقم أزماته الهيكلية والبنيوية المزمنة، وفق محللين.
تقول الأرقام الرسمية إن مدفوعات فوائد الدين المصري زادت بنحو 6.5 بالمئة حيث استحوذت خلال أول شهرين من العام المالي الحالي (2026/2027) على نحو 96 بالمئة من إجمالي إيرادات الموازنة العامة، لتسجل نحو 512.2 مليار جنيه، مقابل 478.8 مليار جنيه بالقياس مع ذات الفترة من العام السابق.
وذلك برغم ارتفاع إجمالي الإيرادات العامة للدولة لتبلغ نحو 533.2 مليار جنيه خلال تموز/يوليو وآب/أغسطس، مقابل 397.8 مليار جنيه خلال الفترة نفسها من العام المالي السابق، بمعدل نمو بلغ 34.1 بالمئة.
لكن التقرير لفت إلى أن تلك الزيادة في الإيرادات، ليست ناتجة عن زيادة في الإنتاج بل جاءت بفعل ارتفاع إجمالي الإيرادات الضريبية بنسبة 23.8 بالمئة، لتسجل نحو 436.8 مليار جنيه، مقارنة بنحو 352.9 مليار جنيه، مدفوعة بارتفاع حصيلة ضرائب الدخل بنسبة 49.4 بالمئة إلى 130.1 مليار جنيه، مقابل 87.1 مليار جنيه، وزيادة حصيلة ضريبة القيمة المضافة بنسبة 22.1 بالمئة، لتبلغ نحو 179.3 مليار جنيه، مقارنة بنحو 146.9 مليار جنيه خلال فترة المقارنة.
اظهار أخبار متعلقة
وفي حين ارتفع إجمالي الإنفاق العام ليسجل نحو 849.1 مليار جنيه، مقابل 754.9 مليار جنيه؛ استحوذت مدفوعات الفوائد على النصيب الأكبر من المصروفات، بعدما ارتفعت بنسبة 7 بالمئة لتسجل نحو 512.2 مليار جنيه، مقابل 478.8 مليار جنيه خلال فترة المقارنة.
وفي تحليلهم الاقتصادي اعتبر محللون أن تلك الأرقام تكشف عن “حجم عبء خدمة الدين وتأثيره الخطير على إيرادات موازنة مصر”، مؤكدين أن “فاتورة فوائد الديون تُحاصر الموازنة وتُفرغها من محتواها وتلتهم معظم الإيرادات العامة، وأن “التهام فوائد الدين مبلغ 512 مليار جنيه خلال شهرين فقط، و96 بالمئة من موازنتها جرس إنذار مالي ومؤشر على تفاقم أزمة التمويل وشدة الضغوط على اقتصاد يعاني”.
وفي حين وصل الدين الخارجي 166.45 مليار دولار، فإن مصر مطالبة بدفع 60.93 مليار دولار بين تموز/يوليو 2026 وحزيران/يونيو 2027، بين 53.83 مليار دولار أقساط الدين و7.1 مليار دولار فوائده، في وقت تعاني فيه من تراجع الحصيلة الدولارية من عوائد قناة السويس والسياحة، الأمر المرشح للتفاقم حال استمرار أزمات الحرب الأمريكية على إيران، المواجهات العسكرية بين السعودية وجماعة الحوثي في اليمن.
حجم الاختلاف عن بيان الموازنة
وفي حين قُدرت قيمة فوائد الدين بالموازنة الحالية بنحو 2.419 تريليون جنيه مستحوذة بذلك على نحو 46.7 بالمئة من إجمالي المصروفات العامة للدولة، فإن مدفوعات فوائد الدين استحوذت خلال أول شهرين على نحو 96 بالمئة من إجمالي إيرادات الموازنة، ما يثير السؤال حول حجم اختلاف ما تم إعلانه في بيان الموازنة حول نسب مدفوعات فوائد الدين وما جاء من أرقام خلال شهرين من تنفيذ الموازنة.
وهنا يؤكد الخبير الاقتصادي المصري الدكتور عبدالنبي عبدالمطلب، أنه “لا يوجد اختلاف؛ لأنه في بداية الموازنة العامة أو الموازنة الإجمالية كانت التقديرات تقول إن مدفوعات الدين بما فيها من فوائد والتزامات هي أكبر من الإيرادات”، موضحا لـ”عربي21″، أن “ما تم الإعلان عنه حاليا قد يشير إلى نوع من أنواع التحسن، لكن هنا الحديث يجري عن تسديد فوائد فقط دون تسديد أقساط”.
وأشار إلى أنه “وفي نهاية العام يكون هناك حديث عن سداد فوائد وأقساط مجمعة، لكن في بعض الأشهر يكون هناك دفع للفوائد فقط بينما يكون لديك أقساط ربع سنوية للديون، وهنا لا يوجد اختلاف عندما نتكلم عن الموازنة العامة لمدة عام والتي يتم فيها حساب الفوائد والأقساط معا أو الفوائد مجمعة والأقساط مجمعة”.
وتبدأ الحكومة المصرية في إعداد الموازنة الجديدة من كانون الثاني/ يناير حتى آذار/مارس، وتقدمها لمجلس النواب في أيار/مايو، قبل رفعها لرئيس الجمهورية لمراجعتها والتصديق عليها، وتطبيقها من أول تموز/يوليو.
وفي ظل امتصاص فوائد الدين لنسبة 96 بالمئة من إيرادات الدولة أول شهرين بالموازنة، وفي قراءته لدلالات هذا الوضع وتأثيره على باقي بنود الموازنة، مثل الأجور، والاستثمارات، والدعم، والخدمات، والتعليم، والصحة، تحدث المسؤول المصري السابق، كاشفا عن تأثير ذلك الوضع على باقي القطاعات في الموازنة.
وأضاف: “نتحدث عن تقديرات مالية بالموازنة، ولذلك فمن الصعب أن يكون هناك نقل مخصصات من بند إلى بند، فهذه مسألة ليست بالأمر السهل، وفقط في الموازنة ممكن أن تنقل من بنود متشابهة مثل بند وسائل النقل بأن تشتري سيارات مثلا إلى بند انتقالات مثل تأجير سيارات، ولذلك فأرقام فوائد الديون أعتقد أنها لن تمس كثيرا اعتمادات التعليم والصحة وغيرها”.
واستدرك: “ولكنها تجبر الحكومة على مواصلة سياسة إصدار سندات وأذون الخزانة لأجل تمويل هذا العجز؛ وهذا في النهاية يزيد المديونية الإجمالية سواء نتكلم عن مديونية داخلية أم خارجية، لأن الحكومة كما أنها تطرح أذون وسندات خزانة بالجنيه فإنها تطرحها بالدولار، وبهذا تزيد المديونية، وفي العام التالي تزيد مدفوعات الدين العام”.
الحلقة المفرغة والدائرة الخطرة
وكيل وزارة التجارة الخارجية للبحوث الاقتصادية، لفت إلى أن من نتائج ذلك الوضع، توقعه بأن يدفع الحكومة إلى قرارات من قبيل استمرار ترقيع الموازنة بالاقتراض مجددا، وبيع الأصول، واستمرار ذات الدائرة الخطرة، لكنه أكد أن “ذلك الوضع تعاني منه الكثير من الحكومات في العالم ومنها دول غربية كفرنسا واليابان”.
وأشار إلى الحالة الأمريكية، مبينا أنها “تزيد يوميا من معدلات الاقتراض لديها حتى وصل الدين العام حاليا لأكثر من 108 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030، حيث نتكلم عن نحو 32.64 تريليون دولار لعام 2026 وعن ديون 40.7 تريليون دولار وفقا لتوقعات صندوق النقد الدولي”.
ويرى أنه “من هنا فالحكومة لن يكون أمامها سوى أن تدخل في دائرة الاقتراض من جديد، فتقترض لسداد القروض السابقة، وهكذا”، مبينا أن “المشكلة أنه في بعض الأوقات تبدأ الحكومة في خطة تقشفية لأجل تخفيض وضغط نفقاتها كما حدث في فرنسا أنها توقفت 5 سنوات عن ترميم المدارس وقللت تعيين المعلمين فبدأت أزمة تظاهرات الطلاب الأخيرة”.
وأوضح أنه “عندنا كما رأينا مؤخرا مدارس متهالكة ومشاكل كثيرة لأن الحكومة توقفت عن عمل صيانة دورية بالمدارس، ناهيك عن تراجع نسب توريد الأدوية بالمجان للفقراء”، مضيفا: “وقد تزيد هذه الضغوط وتصل إلى مناطق حساسة تمس الدعم وتمس صيانة البنية الأساسية وغيرها، وهذا يؤدي إلى مشاكل لكن الدولة لن يكون أمامها غير الاستمرار في الاقتراض لأجل تمويل العجز الحالي”.
ولفت إلى جانب آخر تتبعه الدولة لمواجه أزمة الديون، “وهو بيع بعض الأصول وبعض الأراضي المميزة”، والتي من بينها قرار جمهوري يقضي بتخصيص 41.5 ألف فدان بمحافظة البحر الأحمر (رأس شقير ورأس جمسة) لصالح وزارة المالية، لاستخدامها في إصدار صكوك سيادية وأدوات مالية لإدارة الدين.
قرارات محتملة
الخبير في مجالات الاقتصاد الدولي والسياسات المالية والموازنات، وفي حديثه لفت إلى الأرقام المشار إليها حول وضع الديون في الموازنة العامة قد تدفع أيضا إلى قرارات جديدة برفع أسعار السلع الأساسية والرسوم على المحررات، وكذلك الضرائب التي زادت حصيلتها بنسبة 23.8 بالمئة خلال أول شهرين من العام المالي الحالي، مسجلة نحو 436.8 مليار جنيه.
ويرى أنه “سيكون أمام الدولة أن تحمل المواطن جزءا من المشكلة، وبمجرد رفع أسعار الوقود ترتفع باقي الأسعار، وهنا قد ترفع أسعار باقي خدماتها بداية من خدمات التوثيق للأملاك العقارية أو غيرها أو تفرض ضرائب أكثر على التعاملات الحكومية، وترفع الرسوم على استخراج المحررات، مع رفع أسعار الوقود والغاز والكهرباء والمياه والاتصالات والنقل”.
ضغوط سعر الفائدة والدولار
ويأتي تقرير المالية بعد قرار البنك المركزي المصري الخميس الماضي رفع أسعار الفائدة في مصر بواقع 100 نقطة أساس وذلك لأول مرة منذ آذار/مارس 2024، ليصبح عائد الإيداع 20 بالمئة، والإقراض 21 بالمئة، وسعر العملية الرئيسية والخصم إلى 20.5 بالمئة؛ ما يعد وفق خبراء قرار يفاقم أزمة خدمة الديون في البلاد.
عبدالمطلب، وفي رؤيته لما قد تمثله زيادة أسعار الفائدة في مصر من عبء على فاتورة خدمة الدين، قال: “بالطبع تزيد مدفوعات الدولة ومدفوعات الموازنة”، مضيفا: “والديون الجديدة أيضا ستكون بأسعار فائدة أعلى”.
واستدرك: “لكن في أوقات تكون الحكومة لديها القدرة على المناورة؛ فعندما تطرح أذون خزانة لا تنزلها بسعر فائدة موجود ولكنها على حسب العطاءات التي تأتيها والتي قد تقبل بها يتم تحديد سعر الفائدة، والذي لا يكون معلنا مسبقا، لكن في النهاية رفع سعر الفائدة يؤثر بشكل سلبي على مدفوعات الموازنة العامة”.
اظهار أخبار متعلقة
وخلص للقول إن “البنك المركزي المصري لم يكن أمامه مفر من أن يرفع أسعار الفائدة في ظل خروج الأموال الساخنة، لأننا نتكلم على أرقام مرعبة، بعض المحللين يتحدث عن خروج حوالي 8 مليارات دولار خلال شهر، ولو استمرت الوتيرة بهذا الشكل ربما تحدث مشاكل أكبر كما حدثت عام 2022، من تقييد للاستيراد وخاصة في مستلزمات الإنتاج المواد الخام ويحدث وقف للنشاط ككل”.
والسبت، قدّر بنك “ستاندرد تشارترد”، حجم خروج الأموال الساخنة من مصر بين 10 إلى 15 مليار دولار في الشهور الأربعة الأخيرة، مقارنة بذروة الاستثمارات التي وصلت لـ 55.1 مليار دولار بنهاية حزيران/يونيو 2026.
ووفق نشرة “إيكونومي بلس”، فإن رفع الفائدة يضع عبء على فاتورة خدمة الدين، إذ تشير وثيقة البيان المالي لموازنة (2026/2027) إلى أن كل ارتفاع بنسبة 1 بالمئة في أسعار الفائدة يؤدي إلى زيادة مدفوعات فوائد الدين المحلي بنحو 120 مليار جنيه، ما يفاقم العجز الكلي للموازنة ليصل إلى نحو 5.1 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بالمستهدف البالغ 4.9 بالمئة.
كما يؤدي ارتفاع سعر الصرف بنحو جنيه واحد إلى زيادة مدفوعات فوائد الدين الخارجي بنحو 5 مليارات جنيه على الدين المقوم بالعملة الأجنبية، حسب الوثيقة، وذلك في ظل وضع قائم مرشح للتفاقم خاصة مع استمرار انخفاض قيمة الجنيه والذي تعدى رسميا 56 جنيها مقابل الدولار، خاصة في ظل ضغوط حاجة البلاد لاستيراد الوقود والقمح وغيرهما من السلع الأساسية.
وأدى استمرار سياسات حكومات السيسي، بتدشين مشروعات عملاقة غير ذات جدوى اقتصادية مع الاقتراض الداخلي والخارجي بشراهة إلى تفاقم حجم الدين العام، وطرح الأصول والشركات العامة والأراضي الاستراتيجية على البحر الأحمر والمتوسط لسداد أقساط وفوائد الدين، وخضوع البلاد إلى اشتراطات صندوق النقد الدولي، ما قاد البلاد إلى مشكلات اقتصادية وسياسية واجتماعية خطيرة.
وتعاني مصر في عهد السيسي، من عجز مزمن في الموازنة، وتراكم لخدمة الديون، ما يقابله ضعف مردود الإنتاج الصناعي والزراعي ومن القطاع الخاص، وتفشي الفساد الحكومي، وانهيار المنظومة التعليمية والصحية، وتآكل الطبقة الوسطى، ما يتطلب وفق محللين: “إصلاحات جذرية، قد لا يمكن للنظام الحالي القيام بها، كونه من تسبب في صناعة تلك الأزمات”.
