صرخة البابا أمام زحف الذكاء الاصطناعي: الإنسان في قلب المواجهة
مع الحروب التي تعيشها عدة دول في العالم والأزمات التي لا تنتهي من شماله إلى جنوبه، يحل الإنسان ومسألة وجوده في قلب كل هذه الصراعات. قلق، تهجير، قتل، حصار، الجماعة الإنسانية تعاني. وأمام هذه المشاهد التي لم تستطع المنظّمات الدولية أن تضع حداً لها، بقوانينها وأهداف إنشائها، لكبح المعاناة الإنسانية، أصبح السؤال عن مستقبل وجود الإنسان قضية جوهرية لا بد من وضعها على طاولة النقاش.
وبين كواليس هذه الحقبات وتفاصيلها، كان ظهور الذكاء الاصطناعي. هو لم يكن وليد السنوات الأخيرة، إلا أنّه شهد قفزات كبيرة في تطوّره خلال الفترة الماضية، حتى تحوّل مع نشاطه السريع إلى مادة للمنافسة بين الدول. وهنا أيضاً، للإنسان الحصة الأكبر، فمن الاختراع الذي طوّره العقل البشري، صار الحديث عن مستقبل البشر بوجود هذا “الذكاء”.
باتت مسألة الذكاء الاصطناعي مادة دسمة وأساسية وأولوية في عالمنا المنقسم، بين سياسة حامية وجشع الدول الكبرى وتنافس الدول الغنية وأصحاب المال والنفوذ على تطويرها، حتى علت الأصوات مؤخّراً تنادي بإبطاء مسار هذا الذكاء، فكانت رسالة البابا لاوون الرابع عشر “الإنسانية الرائعة” صوتاً عالياً بين هذه الأصوات إذ أطلقت جرس الإنذار أمام مشهد يُنبئ بخطر زوال البشرية.
في سطورها لا تهديد ولا فرض، بل نداء واضح لجعل الإنسان أولاً فهو من فكّر وحلّل وخطّط. هو صوتٌ لتدارك الأخطر مستقبلاً، صوتٌ لحماية الإنسان الطموح والمبتكر من طمعه وسلطته وأنانيته، صوت لحماية أخيه الإنسان “المستبعد والمهمّش” في أي مكان في هذا العالم.
مع كل ما يتسارع، يحمل الفاتيكان ثقل هذه التطوّرات على أكتافه ليكون البابا لاوون “صوتاً صارخاً في البريّة”. منذ اعتلائه “كرسي بطرس”، برَز البابا في مواقفه الهادئة والإنسانية والهادفة، الداعية إلى السلام وكرامة الإنسان، أخذَت مواقفه حيّزاً عالمياً فارضة تأثيرها على أصوات القنابل والمدافع والتحدّيات الأخلاقية والتحوّلات العالمية. وفي عالم الذكاء الاصطناعي، هل يستطيع الفاتيكان تحويل سلطته الأخلاقية إلى حماية فعلية للإنسان؟
قلق البابا لاوون…
“لا نحتاج إلى ذكاء اصطناعي فيه الكثير من الأخلاق، إن كانت هذه الأخلاق يحدّدها عدد قليل من الأشخاص”. لعلّ هذه الجملة تختصر رسالة البابا وموقفه الأخلاقي والديني من تطوّر الذكاء الاصطناعي.
لا ينكر البابا في رسالته أن “التطوّر التّكنولوجي ساهم على مرّ القرون في تحسين ظروف معيشة البشرية”، ولكن “أظهرت كلّ مرحلة من مراحل التقدّم الجانب الملتبس للأدوات القادرة على إحداث الضرر عندما لا توجّه نحو الخير”، ومن هنا حذّر البابا من استخدامات غير إنسانية لهذا الذكاء، فهو “صُنع لخدمة الحياة والإنسان” لا إقصائه.
يوضح الأب البروفيسور باسم الراعي، في حديث خاص لـ”النهار”، أن قلق البابا من تسارع تطوّر الذكاء الاصطناعي يتمثّل أولاً في “احتمال أن يحل هذا التطوّر تدريجياً محل البشر في مجالات متعدّدة، وثانياً إلى إمكانية أن يصبح الإنسان مضطراً إلى العمل وفقاً لنتائج الذكاء الاصطناعي وتوصياته، في ظل اعتماد عدد كبير من الدول والمجتمعات على هذه التوصيات”.
ويضيف أن القلق الثالث “يرتبط بالإمكانات غير المنضبطة لهذه التكنولوجيا”، مشيراً الراعي إلى أن “بعض استخداماتها يخضع لرقابة حكومية، فيما تتيح قدراتها إنجاز أمور لم تشهدها البشرية من قبل، الأمر الذي يجعل مستقبل العالم في ظل استخدامها غامضاً”.

العدالة في العصر الرقمي…
أكّدت رسالة البابا بشكل واضح أن “النظام الاجتماعي العادل في عصر الرقمية هو النظام الذي يضمن للجميع وصولاً عادلاً إلى الفرص، ويحمي الصغار والأكثر ضعفاً، ويكافح الكراهية والتضليل، ويُخضع استخدام البيانات والتكنولوجيّات للرقابة العامة، بحيث لا يكون المعيار هو الربح فقط، بل كرامة كل إنسان وخير الشعوب”.
في ما يتعلّق بمواجهة تسارع هذه الظاهرة، يشير الراعي إلى أن “الفاتيكان كان من الجهّات الأولى التي تحرّكت في هذا المجال بالتعاون مع دول كبرى، واستضاف ورش عمل ونقاشات فكرية، قبل أن يُعقد في إيطاليا لقاء ضم مفكّرين بارزين وأُطلقت دعوات إلى التعامل مع هذه القضية”.
الحروب… الأزمات الكبرى
بدعوته إلى إبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي، حذّر البابا أيضاً من تداعياته على الاستقرار العالمي وتغذية الصراعات، ووفق تعبيره “الأقوى لا يعني بالضّرورة أنّه الأفضل”.
وركّز في رسالته على “إحدى الظواهر الحاسمة في الوضع الحالي هي نمو الصناعة الحربية، فالعلاقة الوثيقة بين المصالح الاقتصادية والأجهزة العسكرية والقرارات السياسية يولّد أمّة مسلّحة، تبدو فيها الحرب وكأنّها امتداد طبيعي للسياسة ويصير سوق الأسلحة محرّكاً مستقّلاً للخيارات الحربية مع استخدام الذكاء الاصطناعي فيه”.
في هذا السياق، يلفت الراعي إلى أن “الفاتيكان يعتمد دبلوماسية هادئة في التعامل مع قضايا الحروب، ويمكن توظيفها أيضاً في مواجهة المخاوف من التداعيات الإنسانية للذكاء الاصطناعي، ولاسيما أن دولاً عدة، بينها دول كبرى، باتت تعلن قلقها من آثاره على البشر”، مشدّداً على أن “تأثير الفاتيكان، وعلى أهميّته، فاعلاً وليس شاملاً، في ظل تنامي قوة الحروب وتجاوزها، في بعض الحالات، قدرة الدول نفسها على التأثير”.
إلى أين؟
يسأل البابا: “إلى أين نحن ذاهبون؟ نحو أي هدف نريد أن نتوجّه؟ أي اتجاه نختار كمجتمع بشري وكشعوب؟ ما الذي نبنيه؟”. أسئلة مشروعة في ظل كل هذا “التوحّش الرقمي”، والذي يؤكد الراعي في السياق أن “صرخة البابا لا تكفي وحدها ما لم تجد صدى داخل الدول”، مشيراً في الوقت نفسه إلى “وجود تحوّل في نظرة العالم إلى دور المرجعيات الدينية، في ظل أزمة إنسانية وأزمة معنى تدفعان إلى البحث عن صوت ديني قادر على تقديم رؤية شاملة للحياة والإنسان”.
ويذكر أن “هذا التأثير قد لا يكون ظاهراً، إلا أن الفاتيكان يمتلك شبكات تواصل مع الدول عبر سياسيين مؤمنين، أو آخرين يهتمّون بالمعنى الذي يمكن للكنيسة أن تقدّمه، بما يتيح استمرار تأثيرها في عدّة مواقع”.
“لن تستطيع أيّة آلة أن تحلّ محل الإنسانية الرائعة في روعتها”. ومن هذا المنطلق، لعل تردّدات صدى رسالة البابا تصل إلى من يجب أن يسمع، لا من يريد أن يسمع فقط!
